وفي الوسيط - (ج 1 / ص 2688)
وقوله : ﴿ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً . . ﴾ بيان للأسباب التى توجب على الناس أن يجعلوا حمدهم وعبادتهم لله - تعالى - وحده ، إذ الوصف بالموصول ، يشعر بعلية ما فى حيز الصلة لما قبله .
والعوج - بكسر العين - أكثر ما يكون استعمالا فى المعانى ، تقول ، هذا كلام لا عوج فيه ، أى : لا ميل فيه .
أما العوج - بفتح العين - فأكثر ما يكون استعمالا فى الأعيان تقول : هذا حائط فيه عوج .
وقوله : ﴿ قيما ﴾ أى : مستقيما معتدلا لا ميل فيه ولا زيغ وهما - أى : عوجا وقيما - حالان من الكتاب ويصح أن يكون قوله ﴿ قيما ﴾ منصوبا بفعل محذوف أى : جعله قيما .
والمعنى : الحمد الكامل ، والثناء الدائم ، لله - تعالى - وحده ، الذى أنزل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم ، ولم يجعل فيه شيئا من العوج أو الاختلاف أو التناقض ، لا فى لفظه ، ولا فى معناه ، وإنما جعله فى أسمى درجات الاستقامة والإِحكام .
وإنما أمر الله - تعالى - الناس بأن يحمدوه لإِنزال الكتاب على عبده محمد صلى الله عليه وسلم لأن فى هذا الكتاب من الهدايات ما يخرجهم من الظلمات إلى النور ، وما يسعدهم فى دينهم ودنياهم وآخرتهم .
وفى التعبير عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبد ، مضافا إلى ضميره - تعالى - ، تعظيم وتشريف له صلى الله عليه وسلم وإشعار بأنه مهما سمت منزلته ، وعلت مكانته " فهو عبد الله - تعالى - ، وأن الذين بعدوا أو أشركوا مع الله - تعالى - بعض مخلوقاته ، قد ضلوا ضلالا بعيدا " .
والتعبير عن القرآن الكريم بالكتاب ، إشارة إلى كماله وشهرته ، أى : أنزل - سبحانه - على عبده محمد صلى الله عليه وسلم الكتاب الكامل فى بابه ، الغنى عن التعريف ، الحقيق باختصاص هذا الاسم به ، المعروف بهذا الاسم من بين سائر الكتب .
والمراد به إما جميع القرآن الكريم سواء منه ما نزل فعلا وما هو مترقب النزول ، وإما ما نزل منه فقط حتى نزول هذه الآية فيكون من باب التعبير عن البعض بالكل تحقيقا للنزول للجميع .
وجاء لفظ ﴿ عوجا ﴾ بصيغة التنكير ، ليشمل النهى جميع أنواع الميل والعوج ، إذ النكرة فى سياق النفى تعم ، أى : لم يجعل له - سبحانه - أى شئ من العوج . وقوله : ﴿ قيما ﴾ تأكيد فى المعنى لقوله - سبحانه - : ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ﴾ لأنه قد يكون الشئ مستقيما فى الظاهر ، إلا أنه لا يخلو عن اعوجاج فى حقيقة الأمر ، ولذا جمع - سبحانه - بين نفى العوج ، وإثبات الاستقامة .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما فائدة الجمع بين نفى العوج وإثبات الاستقامة ، وفى أحدهما غنى عن الآخر؟
قلت : فائدته التأكيد ، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة ، ولا يخلو من أدنى عوج عند السبر والتصفح ، وقيل : قيما على سائر الكتب ، مصدقا لها ، شاهدا بصحتها ، وقيل : قيما بمصالح العباد وما لا بد لهم منه من الشرائع .
وشبيه بهذه الآية فى مدح القرآن الكريم قوله - تعالى - : ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِرَاطِ العزيز الحميد ﴾ وقوله - سبحانه - . ﴿ إِنَّ هذا القرآن يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ . . ﴾ وقوله - عز وجل : ﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ وقوله - تعالى - : ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً ﴾ ثم شرع - سبحانه - فى بيان وظيفة القرآن الكريم ، بعد أن وصفه بالاستقامة والإِحكام ، فقال : ﴿ لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ . . ﴾ .