العسكر حين خرجنا من الدار بالله هل رأيت أو سمعت بملك قط أعلم برعيته ولا أشد تنقيرا من هذا؟ قلت: اللهم لا. فحدثت بهذا الحديث رجلا من أصحاب الأخبار والعلم فقال: وما نصنع بهذا قد شهدت رسالته إلى إسحاق بن إبراهيم في الفقهاء يخبر بمعائبهم رجلا رجلا حتى لهو بها أعلم منهم بما في منازلهم.
* قال:
وقعد المأمون يوما للمظالم فقدم سلم صاحب الحوائج بضعة عشر رجلا فنظر في مظالمهم وأمر فقضى حوائجهم وكان فيهم نصراني من أهل كشكر كان قد صاح بالمأمون غير مرة وقعد له في طريقه فلما بصر به المأمون اثبته معرفة فقال ابطحوه: فضربه عشرين درة ثم قال لسلم قل له: تعود تصيح بي؟ فقال له سلم وهو مبطوح فقال النصراني قل له: أعود، وأعود وأعود، حتى تنظر في حاجتي فأبلغه سلم ما قال. فقال: هذا مظلوم موطن نفسه على القتل أو قضاء حاجته، ثم قال لأبي عباد: اقض حاجة هذا كائنا ما كانت الساعة.
* حدثني
بعض أصحابنا قال: شهدت المأمون وقد ركب بالشماسية وخلف ظهره أحمد بن هشام فصاح به رجل من أهل فارس. الله. الله يا أمير المؤمنين فإن أحمد بن هشام ظلمني واعتدى على. فقال: كن بالباب حتى أرجع، ثم مضى فلما جاز الموضع بعدوة التفت إلى أحمد فقال: ما أقبح بنا وبك أن تقف وصاحبك هذا على رؤوس هذه الجماعة وتقعد في مجلس خصمك، ويسمع منه كما يسمع منك ثم تكون محقا أم تكون مبطلا فكيف إن كنت في صفته لك، فوجه إليه من يحوله من بابنا إلى رحلك وأنصفه من نفسك، وأعطه ما أنفق في طريقه إلينا، ولا تجعل لنا ذريعة إلى ما تكره من لائمتك فوالله لو ظلمت العباس ابني كنت أقل نكيرا عليك من أن تظلم ضعيفا لا يجدني في كل وقت، ولا مجلوا له وجهى وسيما من تجشم السفر البعيد وكابد حر الهواجر وطول المسافة. قال: فوجه إليه أحمد فجاء به وكتب إلى عامله يرد عليه ما أخذ منه ويشتمه ويعنفه ووصل الرجل بأربعة ألف درهم وأمره بالخروج من يومه.