تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الخلوة الخلوة! واستحضري قرين العقل، وجولي في حيرة الفكر، واستدركي صبابة الأجل١، قبل أن تميل بك، الصبابة٢ عن الصواب.

وا عَجَبًا! كلما صعد العمر نزلت! وكلما جد الموت هزلت! أتراك ممن ختم له بفتنة، وقضيت عليه عند آخر عمره المحنة؟! كان أول عمرك خيرًا من الأخير، كنت في زمن الشباب أصلح منك في زمن أيام المشيب: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] نسأل الله -عز وجل- ما لا يحصل إلا به، وهو توفيقه، إنه سميع مجيب.

١٣٨- فصل: حُسنُ جزاء مَنْ خافَ مقامَ ربِّه

٦٥١- قدرت في بعض الأيام على شهوة للنفس هي عندما أحلى من الماء الزلال١ في فم الصادي٢، وقال التأويل: ما هاهنا مانع ولا معوق إلا نوع ورع! وكان ظاهر الأمر امتناع الجواز، فترددت بين الأمرين، فمنعت النفس عن ذلك، فبقيت حيرتي لمنع ما هو الغاية في غرضها من غير صاد عنه بحال، إلا حذر المنع الشرعي، فقلت لها: يا نفس! والله، ما من سبيل إلى ما تودين ولا ما دونه! فتقلقلت، فصحت بها: كم وافقتك في مراد ذهبت لذته، وبقي التأسف على فعله! فقدري بلوغ الغرض من هذا المراد، أليس الندم يبقى في مجال اللذة أضعاف زمانها؟! فقالت: كيف أصنع؟ فقلت:

صبرت ولا والله ما بي جلادة ... على الحب، لكني صبرت على الرغم

وها أنا ذا أنتظر من الله عز وجل حسن الجزاء على هذا الفعل.

٦٥٢- وقد تركت باقي هذه الوجة البيضاء، أرجو أن أرى حسن الجزاء على الصبر، فأسطره٣ فيه إن شاء الله تعالى؛ فإنه قد يعجل جزاء الصبر، وقد يؤخره:

١ صُبابة الأجل: بقية العمر.

٢ الصبابة: الهوى.

١ الماء الزلال: الماء العذب الصافي.

٢ الصادي: العطشان.

٣ أسطره: أكتبه.

صيد الخاطر · الصفحة ٢١١

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صيد الخاطرص ٢١١