قوله: ﴿قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل﴾ البينة هي المعجزة الظاهرة التي بهرت الناظرين وذهل لهولها القوم المجرمون، فرعون وجنوده - والمراد ببني إسرائيل، سلالة النبي الكريم وهو إسرائيل (يعقوب) عليه السلام ابن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام - فقد خاطب موسى فرعون قائلا: ها أنا قد جئتكم ببرهان من ربي وربكم على صدق رسالتي وصدق ما أبلغكم إياه ﴿فأرسل معي بني إسرائيل﴾ أي خلهم وأطلق سبيلهم - وكان فرعون قد طغى على بني إسرائيل وغالي في تعذيبهم والعدوان عليهم بغير حق؛ فقد قتل أنباءهم واستحي نساءهم واستخدمهم في الأعمال الشاقة، وأذاقهم من فظاعة القهر والمهانة ما سماهم سوء القهر والذل والهوان ردحا طويلا من الزمن - ومن أجل ذلك خاطب موسى فرعون داعيا إياه أن يخلي سبيل بني إسرائيل، وأن يدعهم وعبادة ربهم.
106 - (قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)
قوله: ﴿قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين﴾ أجاب فرعون موسى قائلا:
إن كنت تصدق فيما تزعم أنك جئتنا بآية من
عند ربك فأظهر لنا واطرحها أما أعيننا كي نشاهدها عيانا.
107 - (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ)
قوله: ﴿فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين﴾ إذ، للمفاجأة، وهي بمنزلة ثمة وهناك، وهي في محل رفع خبر - والمبتدأ ثعبان؛ أي ألقى موسى عصاه على الأرض فانقلبت ثعبانا وهو الذكر من الحيات - وقوله ﴿مبين﴾ أي صارت حية بارزة ظاهرة مخوفة قد رآها من كان حولها عيانا من غير لبس في ذلك ولا شك - وهذه واحدة كبرى من جملة معجزات أوتيها موسى لتكون لفرعون آية عسى أن يدكر أو يهتدي أو يرشد.
وفيما يذكره كثيرون من علماء التفسير عن حال فرعون لما رأى العصا تنقلب ثعبانا ضخما، لهو مثير للعجب؛ فقد ذكروا أن هذا الطاغوت الكبير لما رأى الثعبان الهائل، تملكه الذعر والهلع والارتباك وغشيته غاشية من الذعر والارتجاج، فما لبث أن أحدث في ثيابه - لا جرم أن قصة كهذه تكشف لذوي العقول والنباهة من الناس أن هؤلاء الطواغيت الذين يسوسون الناس بالقهر والطغيان والجبروت ليسوا غير آحاد من الشخوص المزيفة الكاذبة الخاوية، الشخوص المنتفخة انتفاخ المسلط المخادع المغرور، الذي استحوذ على الناس بزيفه وخداعه وأكاذيبه حتى يتخيل الناس ووهموا أنه عظيم - وهو في ميزان الحقيقة والواقع ليس إلا صنما من البشر المموه الفارغ - البشر المتلصص الدجال الذي يصطنع لنفسه الشجاعة والبراعة وحسن السمت والمظهر والناس عنه في غفلة - ولو أردك الناس حقيقته عيانا لأيقنوا أنه جبان وأرعن وخسيس ومذعور وهم عنه غافلون!.
108 - (وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ)
قوله: ﴿ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين﴾ أي أخرج موسى يده من جيبه 150 أو من جناحه 151 فإذا هي بيضاء كالثلج، أو تتلألأ ساطعة كالنور من غير سقم أو علة كالبرص ونحوه، ثم أعادها إلى موضعها الأول فعادت إلى لونه وكان أسمر البشرة كما قيل - لقد فعل موسى ذلك والناس من حوله.