قوله: ﴿وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها﴾ أتتهم الآيات الخوارق من عند الله، الواحدة تلو الأخرى - وما من آية معجزة بينة من هذه الآيات تأتيهم إلا كانت أعظم مما قبلها من المعجزات مع أن تلك المعجزات جميعا عظيمات ويشهدن بصدق نبوة موسى وأنه مرسل من ربه - لكن القوم، وفي رأسهم الطاغوت الأثيم المتجبر فرعون، موغلون في الغفلة والعناد والتمرد - وبذلك استحقوا من الله أن يأخذهم بعذاب من عنده بسبب تكذيبهم وعتوهم - ولقد كان ذلك.
وهو قوله سبحانه: ﴿وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون﴾ أنزل الله بهم عذابا، جزاء كفرهم وظلمهم واستسخارهم بآيات الله، فقد أخذهم بالسنين ونقص من الثمرات وبالجراد والقمل والضفادع والدم، وهو ما بيناه سابقا ﴿لعلّهم يرجعون﴾ أي يتذكرون ويكفّون عن ظلمهم وتكذيبهم فيبادرون الإيمان والطاعة وحسن المتاب.
لقد بيّن الله ذلك لرسوله صلى الله عليه وسلم تأنيسا له وتسلية، كيلا يحزن أو يبتئس من تكذيب قومه وصدّهم عن دين الله وعن سبيله المستقيم.
49 - (وَقَالُوا يَأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ)
قوله: ﴿وقالوا ياأيّه السّاحر ادع لنا ربّك بما عهد عندك إنّنا لمهتدون﴾ لما عاين فرعون وقومه العذاب وكابدوا من شدة ما نزل بهم أشد المكابدة، حفوا مسرعين إلى موسى يسألونه في تكريم له وتوقير أن يتضرع إلى ربه عسى أن يكشف عنهم البلاء، فقالوا له: ﴿يآأيّه الساحر﴾ وليس وصفه بالسحر من باب الذم بل من باب المدح له و الثناء - و المراد بالساحر في زمانهم، العالم - فقد كان الساحر عظيما وهو فيهم موضع توقير و إجلال - ثم قالوا له: ﴿ادعوا لنا ربك بما عهد عندك﴾ أي ادع الله بعهده الذي عهد إليك أننا إن آمنا بك و اتبعناك كشف عنا الرجز (العذاب) فاسأل الله عسى أن يكشف عنا ما نزل بنا من البلاء {إننا لمهتدون أي لمصدقون فيما جئتنا به فمتبعوك في دينك.
50 - (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ)
قوله: ﴿فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون﴾ ينكثون من النكث وهو النقض 20 والمعنى: أن موسى عليه السلام دعا ربه أن يكشف العذاب عن القوم لعلهم يتوبون إلى الله فيؤمنون بدعوة للتوحيد ويصدقون بما جاءهم من الوحي - فاستجاب الله سؤال موسى، إذ كشف عنهم العذاب
لكنهم نقضوا عهدهم مع الله ولجوا في الغدر وسوء الخصام - 21
51 - (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ)
قوله تعالى ﴿ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون 51 أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين 52 فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين 53 فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين 54 فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين 55 فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين﴾.