تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قوله تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولنّ خلقهنّ العزيز العليم 9 الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلّكم تهتدون 10 والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة مّيتا كذلك تخرجون 11 والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون 12 لتستوا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين 13 وإنا إلى ربنا لمنقلبون﴾.

يتبين من آيات الله هذه أن المشركين الأولين ما كانوا ينكرون وجود الله، بل كانوا موقنين بهذه الحقيقة الكبرى، وهي أن الله حق وأنه الخالق الموجد، فهم بذلك لم يأت على فطرتهم من المسخ والإفساد مثل الذي أتى على كثير من الكافرين الملحدين الذين ينكرون وجود الله ويجحدون الإلهية كليّا، كالشيوعيين والوجوديين وآخرين غيرهم من مناكيد البشر وأشقيائهم، أولئك الذين انمسخت فيهم الفطرة الإنسانية انمساخا وانقلبت فيهم الطبائع الأساسية رأسا على عقب، وانتكست نفوسهم وأذهانهم أشنع انتكاس فصاروا يجترون مقالة الإلحاد اجترار الأشقياء المماسيخ، خلافا للمشركين السابقين الذين كانوا يقرون بوجود الله الخالق البارئ بالرغم من اتخاذهم الشركاء والأرباب مع الله - وذلك يستبين من قوله سبحانه: ﴿ولئن سألتهم مّن خلق السّماوات والأرض ليقولنّ خلقهنّ العزيز العليم﴾ أي لئن سألت هؤلاء المشركين يا محمد عمن خلق السماوات والأرض لسوف يجيبونك مقرين بأن خالقهن الله العزيز العليم، فهم بذلك مقرون لله بالخلق والإيجاد بالرغم من اتخاذهم مع الله شركاء وأندادا جهلا منهم وضلالا.

10 - (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)

قوله: ﴿الّذي جعل لكم الأرض مهدا﴾ وهذا إخبار من الله عن نفسه بأنه جعل الأرض لعباده مهادا، أي فراشا وقرارا ثابتة، فتقومون عليها وتنامون وتتصرفون في قضاء أموركم ومعايشكم ﴿وجعل لكم فيها سبلا لعلّكم تهتدون﴾ أي جعل لكم في الأرض طرقا ومسالك مختلفة، وذلك في السهول والجبال والوديان لكي تهتدوا في سيركم وأسفاركم فلا تضلوا.

11 - (وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ)

قوله: ﴿والذي نزل من السماء ماء بقدر﴾ أي يحسب حاجتكم وما يكفيكم لشربكم وسقي أنعامكم وزروعكم وثماركم، فهو بذلك غير مغرق ولا قاصر عن الحاجة بل هو بقدر حاجتكم.

قوله: ﴿فأنشرنا به بلدة مّيتا﴾ أي أحيينا الأرض بماء المطر بعد أن كانت ميتة مقفرة لا نبات فيها ﴿كذلك تخرجون﴾ أي مثل هذا الإنشار أو الأحياء يحييكم الله بعد مماتكم فيبثعكم من قبوركم للحساب - أو كما أخرجنا بهذا الماء المنزّل من السماء النبات والزرع من هذه البلدة الميتة بجدوبها وقحوطها كذلك نخرج الناس من بعد مصيرهم في الأرض رفاتا، فإن القادر على مثل هذا الإحياء قادر على كل إحياء، ومنه إحياء الموتى وبعثهم يوم القيامة.

12 - (وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ)

قوله: ﴿والذي خلق الأزواج كلها﴾ أي خلق الله سائر الأصناف مما تنبت الأرض ومن الحيوانات على اختلاف أجناسها وأصنافها - وقال ابن عباس: ﴿الأزواج﴾، الضروب والأنواع كالحلو والحامض، والأبيض والأسود، والذكر والأنثى.

قوله: ﴿وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون﴾ أي سخر الله لكم السفن لتركبوها في البحر وسخّر لكم من الأنعام ما يصلح للركوب في البر، كالإبل.

التفسير الشامل للقران الكريم · الصفحة ٢١٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التفسير الشامل للقران الكريمص ٢١٢٩