قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ أي كنا من قبل نزول هذا القرآن، أو من قبل البعثة المحمدية مصدقين بأن الله سيبعث محمدا صلى الله عليه وسلم، لما كنا نعلمه من ذكره في التوراة والإنجيل، من التبشير به وبعثه آخر الزمان لهداية الناس واستنقاذهم من الضلال والباطل.
54 - (أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)
قوله: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ أي هؤلاء الذين آمنوا بالكتاب الأول وهو التوراة والإنجيل ثم بالكتاب الثاني وهو القرآن، يجزيهم الله من الأجر مرتين ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ أي بسبب صبرهم على الإيمان بالكتاب الأول والثاني، وما يجدونه في إيمانهم من أذى الظالمين وعنتهم.
قوله: ﴿وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أي يدفعون بالصبر وبالكلمة الطيبة وطول الاحتمال، كل ما يجدونه في طريقهم من أذى الجاهلين وسفاهاتهم - وفي هذا المعنى يقول الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ: " وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن " ومن الخلق الحسن: دفع المكروه والأذى بالصبر والحلم والأناة والصفح عن المسيئين.
قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ أثنى الله عليهم بأنهم ينفقون من أموالهم في طاعة الله، كالجهاد في سبيله أو الصدقة على المعوزين والمحاويج، أو في صلة الأرحام.
55 - (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ)
قوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ هؤلاء القوم الذين آمنوا بالكتاب ثم آمنوا بالقرآن من بعده، إذا سمعوا اللغو، وهو الباطل من القول أو ما يقوله لهم المشركون من الأذى والشتم، أعرضوا عنه ولم ينشغلوا به ﴿وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ أي لنا أعمالنا قد رضينا بها، ولكم أعمالكم أنتم بها راضون، وذلك من باب الملاينة والقول الحسن.
قوله: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ وذلك في قوم من أهل الكتاب.
وقيل: من المشركين، أسلموا فكان المشركون يؤذونهم فكانوا يصفحون عنهم ويقولون: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ أي لكم منا أمنة فإنا لا نُسابّكم ولا نشاتمكم ولا نبتغي محاورة أهل الجهل - وذلك هو خلق المؤمنين الصابرين في كل زمان: " إذا خاطبهم أهل السفه والجهالة والفسق ترفعوا عن مسابتهم أو الرد عليهم بالمثل - بل قالوا لهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ " 43.