قوله: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ قال موسى مخاطبا ربه في تذلل وتوسل وخضوع: رب بما جعلت لي من نعمة الإيمان والعلم والحكمة، فلن أكون معينا للكافرين الذين يعصون أمرك.
18 - (فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ)
قوله: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ خشي موسى على نفسه من جنود فرعون لقتله رجلا من القبط، فدخل المدينة في الصباح على خوف من أهلها أن يقتلوه وهو يترقب؛ أي يتلفت إلى ما حوله، ويتسمع ما يقوله عنه الناس - إلى غير ذلك مما تقتضيه هذه العبارة القرآنية القصيرة بكلماتها المؤثرة المعدودة - فما يتلو القارئ هذه الكلمات: ﴿فأصبح﴾، ﴿خائفا﴾، ﴿يترقب﴾، حتى تأخذه غمرة من الرهبة والارتياع - وفوق ذلك ما يتراءى للذهن من صورة شاخصة ماثلة تساور الخيال وتلمس الحس - صورة مثيرة ومذهلة تكشف عن حقيقة الحال من الخوف والتلفت في حذر وانتظار استعدادا لكل طارئ - نقول هذا لنجزم في يقين أنه ليس كالقرآن في كمال التصوير، وجمال الكلم وروعة الألفاظ المؤثرة النافذة إلى أعماق القلوب والأذهان.
قوله: ﴿إِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ أي فإذا صاحبه الإسرائيلي الذي استغاثه بالأمس على القبطي يقاتل قبطيا آخر ويستصرخه؛ أي يستغيثه، من الصراخ وهو صوت المستغيث، وصوت الغيث إذا صرخ بقومه للإغاثة 14
قوله: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ﴾ غوي، أي مغو - وقيل: الغوي بمعنى الغاوي - والمراد أنك ظاهر الغواية، كثير الشر، فعزم موسى على البطش بالقبطي، فتوهم الإسرائيلي بما جبل عليه من ذلة وضعف وخور أن موسى إنما يريد قتله وهو قوله: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾
19 - (فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ)
﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ ولما سمع القبطي هذا الكلام ذهب مبادرا لإفشائه، فعلم فرعون بذلك فاشتد غضبه واجتهد في طلبه للانتقام منه.
قوله: ﴿إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾ قال الإسرائيلي لموسى: ﴿إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾ والجبار، الذي يقتل ظلما، أو المتعظم الذي لا يتواضع.
قوله: ﴿وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ أي ما تريد أن تكون من الذين يصلحون في الأرض - أو ما هكذا يكون الإصلاح 15.