قوله: (وآتيناه في الدنيا حسنة)، هذا النبي العظيم المفضال قد أوتي في هذه الدنيا حسنة تميزه عن غيره من الناس والنبيين - وفي حقيقة هذه الحسنة تفضيل، وجملته: أنها الذكر الحسن والثناء الجميل على مر الأيام والأزمان، فأكثر الخلق يقرون بنبوته - وتحقيق الكلام في ذلك أن الله أجاب دعوته: (واجعل لي لسان صدق في الآخرين)، وقيل: آتاه الله الولد الطيب الصالح ففي ذريته النبوة والرسالة - وقيل: يراد بها الصلاة عليه؛ فقد جعلت مقرونة بالصلاة على محمد (ص) وذلك قول المصلي المسلم: " كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم " وقيل: غير ذلك من عظيم الخصال - قوله: (وإنه في الآخرة لمن الصالحين)، إن إبراهيم يوم القيامة مع الصالحين أولي الدرجات العُلا والمنازل الرفيعة في الجنة - وفي ذلك تنبيه على دعائه المستجاب: (رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين)، فجعله الله من الصالحين.
123 - (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)
قوله: ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين﴾، (حنيفا)، منصوب على الحال من الضمير المرفوع في قوله: (اتبع) 141 وقد أمر الله نبيه محمدا (ص) باتباع الحنيفية المسلمة التي كان عليها إبراهيم؛ فقد كان إبراهيم حنيفا، أي: مائلا إلى الإسلام مبرأ من الشرك وهو قوله: (وما كان من المشركين) 142.
124 - (إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)
قوله تعالى: ﴿إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون﴾، لم يفرض الله تعظيم يوم السبت إلا على الذين اختلفوا فيه؛ إذ قال بعضهم، وهو اليهود: إنه أعظم الأيام - وقال آخرون وهم النصارى: بل أعظم الأيام يوم الأحد - فاختاروه وتركوا تعظيم يوم الجمعة.
على أن المراد بقوله: (على الذين اختلفوا فيه)، على نبيهم موسى؛ إذ أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت - فاختلافهم في السبت كان اختلافا على نبيهم في ذلك اليوم - وليس المراد أن اليهود اختلفوا فيه، فمنهم من قال بالسبت ومنهم من لم يقل به - وقيل: المراد باختلافهم في يوم السبت: أنهم أحلوا الصيد فيه تارة وحرموه تارة أخرى؛ فشدد الله عليهم.
قوله: (وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون)، سوف يحكم الله بين هؤلاء المختلفين في السبت عندما يصيرون إلى الله يوم القيامة، وحينئذ يقضي الله للفئة المؤمنة المستقيمة منهم بحسن الجزاء، ولأهل الباطل- وهم الأكثرون - بسوء المصير.