قوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ يأمر الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يبلغ الناس أن هذه الدعوة التي أدعوكم إليها والمنهاج الذي استنهضكم لالتزامه والعمل بمقتضاه، والملة التي أحرضكم على اعتقادها وتصديقها لهي ﴿سبيلي﴾ أي طريقي ومنهجي أو ديني الذي أنا عليه وأدعو الناس أن يأخذوا به ويلتزموه وأن يستظلوا بظله الندي الوارف ويستضيئوا بنوره المضيء الكاشف، أدعو الناس إلى عقيدة التوحيد الخالص المجانب لكل ألوان الرياء والشرك - أدعوهم إلى الشريعة الربانية الكاملة المبرأة من كل النقائض والعيوب - والشريعة التي تصلح عليها البشرية في هذه الدنيا لتقوم في حياتها آمنة راضية راغدة.
وذلك كله: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ ﴿بصيرة﴾ بمعنى حق ويقين واستبصار - يعني: أدعو إلى دين الله على يقين وبرهان واستبصار أنا والمؤمنون معي، الذين أمنوا برسالتي واتبعوا ديانتي وما جئتهم به من عند الله ﴿وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي وفي ذلك كله فإني أنزه الله وأقدسه عن الشريك أو النظير أو النديد - وإني على منهج الحق والتوحيد الكامل بعيدا عن ضلال المشركين الذين يتخذون مع الله آلهة أندادا 113.
109 - (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ)
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ 109 حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾.
ذلك إخبار من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وللناس أنه سبحانه لم يرسل أحدا من قبلك من غير الرجال - فإنما أرسل رسله من جنس الرجال ليكونوا مبشرين ومنذرين وليكونوا مبلغين دعوة الله للبعاد - وعلى هذا لم يرسل الله نبيا من النساء بل اختص الله الرجال لهذه الوجيبة الكبرى - الوجيبة التي تنوء بحملها الراسيات الشوامخ - لا جرم أن الرجل لهو أعظم اقتدارا على حمل هذه الأمانة الكؤود، فضلا عن مزايا الأنوثة التي تتجلى فيها الرقة والاستحياء واللين والخور والوجل مما يثني المرأة عن احتمال مثل هذه الوجيبة التي يخور لحملها الصناديد من الناس.
وثمة قول إن الله أوحى إلى أم موسى وكذا مريم أم المسيح، فكلتاهما بذلك نبية، وهو قول ضعيف - والصحيح: أنه ليس في النساء نبيات بل فيهن صديقات - وهو قول أكثر أهل العلم وعليه أهل السنة والجماعة - وفي هذا يقول عز من قائل: ﴿ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام﴾.
قوله: ﴿نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ فقد أوحي الله إلى النبين من أهل القرى وهي المدائن والأمصار؛ فهم أرق طباعا، وأعظم أحلاما، وأسلس عريكة 114 - ولم يبعث الله أنبيائه من أهل البوادي وهم الأعراب وذلك لشدة جفائهم وقسوة طباعهم وقلة عملهم.