تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد أوحي الله إليه وهو في حاله هذه أنه جاعل له فرجا ومخرجا، وأنه كاشف عنه السوء والبأساء، وسيكتب الله له النصر والعزة وعلو الشأن، ولسوف يحدث إخوته بكل ما فعلوه به من وجوه المكر والإيذاء، ﴿وهم لا يشعرون﴾ أيلا يشعرون بما يخبرك به الوحي، أو لا يشعرون بأنك يوسف وذلك لدى دخلوهم عليه وهو في مصر؛ إذ يعرفهم وهم له منكرون - لقد أوحي الله إلى جبريل عليه السلام أن أدرك عبدي، فأسرع غليه جبريل حتى أقعده على الصخرة سالما - وكان ذلك الجب مأوى الهوام من الحشرات السامة والحيات - وفي هذا الموقف الكئيب الموحش يلجأ يوسف إلى ربه يسأله الخلاص والفرج ويشكو إليه ما فعله به المعتسفون الحاسدون، ويدعوه بهذا الدعاء الذي علمه إياه جبريل: الله يا مؤنس كل غريب، ويا صاحب كل وحيد، ويا ملجأ كل خائف، ويا كشاف كل كربة، وعالم كل نجوى، ويا منتهى كل شكوى، ويا حاضر كل ملأ، يا حي يا قيوم، أسألك أن تقذف رجاءك في قلبي، حتى لا يكون لي هم ولا شغل غيرك، وأن تجعل لي من أمري فرجا ومخرجا - إنك على كل شيء قدير - فقالت الملائكة - إلهنا، نسمع صوتا ودعاء، الصوت صوت صبي، والدعاء دعاء نبي! 18.

16 - (وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ)

قوله تعالى: ﴿وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ 16 قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ 17 وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾.

بعد أن فعل إخوة يوسف فعلتهم المنكرة بأخيهم يوسف رجعوا إلى أبيهم ليلا يبكون - فلما سمع أبوهم بكاءهم فزع وقال: ما بكم يا بني، هل أصلبكم في غنمكم شيء؟ قالوا: لا - قال: فما فعل يوسف؟

قالوا: ﴿يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ فبكي الشيخ وصاح بأعلى صوته وقال: أين القميص؟ فجاءوا بالقميص عليه دم كاذب؛ أي مكذوب أو مفترى، فأخذ القميص فطرحه على وجهه ثم بكي حتى تخضب وجهه من دم القميص - وقيل: لما قالوا أكله الذئب خر مغشيا عليه، فأفضوا عليه الماء فلم يتحرك، ونادوه فلم يجب، فقال لهم يهوذا -وكان أرفقهم-: ويل لنا من ديان يوم الدين! ضيعنا أخانا وقتلنا أبانا! فلم يفق يعقوب إلا ببرد السحر.

17 - (قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ)

قوله: ﴿قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ ﴿نستبق﴾، أي نتسابق في الرمي، أو على الفرس - أو في الجري على الأقدام - والمسابقة خصلة جيدة ومشروعة، وهي جائزة بالسنة والإجماع؛ فقد سابق النبي صلى الله عليه وسلم عائشة فسبقته - فلما حملت اللحم سابقته فسبقها فقال: (هذه بتلك) وهو ما رواه - أو داود وكذلك أجمع المسلمون على جواز المسابقة في الجملة.

والمسابقة تكون بالنصل والحافر والخف وغير ذلك من أنواع الحافلات كالسفن ونحوها - والمراد بالنصل هنا السهم ذو النصل، وبالحافر الفرس، وبالخف البعير.

التفسير الشامل للقران الكريم · الصفحة ١١٨١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التفسير الشامل للقران الكريمص ١١٨١