تحسسوا، أي استقصوا الخبر؛ فقد استنهض يعقوب بنيه أن يضربوا في الأرض ساعين ميممين شطر مصر ليعرفوا خبر أخويهم يوسف وبنيامين - وأمرهم أيضا ألا تيأسوا من فرج الله وهو قوله: ﴿وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ﴾ و ﴿روح الله﴾ بفتح الراء: يعني رحمته وفرجه 93؛ فقد أمرهم ألا يقطعوا رجاءهم وأملهم من الله فيما يبتغونه ويسعون لتحصيله ﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ أي لا يقطع الرجاء من الله أو يقنط من رحمته وفضله إلا الكافرون؛ فهم يجحدون رحمة الله وينكرون نعمته وفضله على العباد - وذلك من دأب الجاحدين الكافرين الذين لا يركنون إلا إلى الدنيا وما هي عليه من أوضاع وقوانين ونظم وتصورات وحطام.
88 - (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ)
قوله: ﴿فلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرّ﴾ دخل بنو يعقوب على يوسف وشكوا إليه ما حل ببلادهم من قحط وجدب وجهد وحاجة وقالوا له أيضا: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ﴾ المراد بالبضاعة ثمن الطعام الذي جاءوا ليمتروه - و ﴿مزجاة﴾ أي مدفوعة يدفعها كل واحد عنه لزهادته فيها، ومنه قوله: ﴿ألم تر أن الله يزجي سحابا﴾ أي يسوقه بالريح 94؛ أي جئناك ومعنا ثمن الطعام الذي نمتاره ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ أي التمسوا منه إيفاءهم الكيل فقالوا به: أتم لنا الكيل ﴿وتصدق علينا﴾ أي بالمسامحة والإغماض عن رداءة البضاعة - أو زدنا على حقنا - ﴿إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ يجزيهم الثواب والخير عن تصدقهم 95.
89 - (قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ)
قوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ 89 قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ 90 قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ 91 قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
بعد ما أفاض إخوة يوسف في بيان سوء حالهم مما أصابهم في بلادهم من الجدب والقحط والجهد، وما اعترى أباهم الشيخ الكبير من شدة الحزن وبالغ الكظم والمرارة لفراق ولديه يوسف وبنيامين وصيرورته من أجل ذلك ضريرا -بعد هذا الإخبار المثير من إخوة يوسف ليوسف تذكر الأخير عليه السلام أباه وما ألم به من عظيم الحزن فأخذته رقة ورحمة، وغمره الإشفاق والحزن على أبيه - وذكر أنه ابتدره البكاء حتى صارحهم ﴿هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾ والاستفهام للتقريع 96 ويراد به تعظيم الحدث؛ أي ما أعظم ما اقترفتم في حق يوسف وأبيه منن افترائكم على أبيكم باختلاق الأقاويل كاصطناع الدم الكذب، ثم تملؤكم على أخيكم؛ إذ ألقيتموه في المهلكة واتهمتموه بالسرقة، كل ذلك وأنتم ﴿جاهلون﴾ أي حملكم على فعل ما فعلتموه كونكم جاهلين أي أولي جهالة - وهي جهالة الصبا والغرور والطيش - وقيل: كل من عصا الله فهو جاهل.