تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قوله تعالى: ﴿فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين 116 وما كان ربك ليهلك القرى ظلم وأهلها مصلحون﴾.

لولا، أداة تحضيض بمعنى هلا - و ﴿القرون﴾ بمعنى الأجيال والأمم - والبقية، يراد بها الفضل والعقل والخير - قال الزمخشري في الكشاف: سمي الفضل والجودة بقية؛ لأن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله فصار مثلا في الجودة والفضل ويقال: فلان من بقية القوم: أي من خيارهم 147.

والمعنى: هلا كان من الأمم التي سبقتكم ذوو بقية من الفهم والصلاح والعقل فيتعظوا ويتدبروا آيات الله ودلائله ويعلموا الحق من الباطل والإيمان من الجحود لكي ينبهوا أهل الضلال والمعاصي فيكفوا عن غيهم وظلمهم وفسادهم في الأرض ﴿إلا قليلا ممن أنجينا منهم﴾ ﴿إلا﴾، استثناء منقطع - ﴿قليلا﴾ منصوب على الاستثناء المنقطع مما قبله؛ أي إلا قليلا منهم، والمراد بالقليل: هم الذين صدقوا رسلهم واتبعوهم؛ فقد كان هؤلاء على قتلهم ينهون عن الكفر والفساد فنجاهم الله مما حقا بالكافرين الذين ضلوا عن سبيل الله ضلالا بعيدا فكذبوا ملة التوحيد وجحدوا رسالات الله وآذوا أنبياءهم أشد إيذاء وهؤلاء هم الأكثرون الذين عصوا وأبوا إلا الكفر والعصيان فضلوا سادرين في شهواتهم وملذاتهم - وهو قوله: ﴿واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين﴾ أي ابتع المشركون العصاة ما أنعموا فيه من الشهوات والملذات واهتموا بتحصيل الدنيا وما فيها من أموال ومتاع وبهجة ولم يعبأوا بما وراء ذلك ﴿وكانوا محرمين﴾ معطوف على ﴿أترفوا﴾ - والمعنى: أن هؤلاء أهل آثام وإجرام لاتباعهم الشهوات وانشغالهم في الحطام والخيرات وإعراضهم عن آيات الله.

117 - (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ)

قوله: ﴿وما كان ربك ليهلك القرى ظلم وأهلها مصلحون﴾ المراد من الظلم هنا، الشرك؛ أي أن الله لا يهلك الناس بسبب شركهم إذا كانوا فيما بينهم مصلحين غير مفسدين ولا متظالمين، بل يتعاطون الحق فيما بينهم، بل يتعاطون الحق فيما بينهم، ويعامل بعضهم بعضا على الصلاح والخير والسداد وإن كانوا مشركين - قال الرازي في هذا المعنى: غنه تعالى لا يهلك أهل القرى بمجرد كونهم مشركين إذا كانوا مصلحين في المعاملات فيما بينهم - والحاصل أن عذاب الاستئصال لا ينزل لأجل كون القوم معتقدين للشرك والكفر؛ بل إنما ينزل ذلك العذاب إذا أساءوا في المعاملات وسعوا في الإيذاء والظلم - ولهذا قال الفقهاء: إن حقوق الله تعالى مبناها على المسامحة والمساهلة، وحقوق العباد مبناها على الضيق والشح 148.

وقيل: المعنى أن الله لا يهلك القرى ظلما منه وأهلها مصلحون غير مسيئين، بل يهلكهم لطغيانهم وإسرافهم في تكذيب المرسلين وفعلهم السيئات والمعاصي 149.

118 - (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ)

قوله تعالى: ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين 118 إلا من رحم ربك ولذالك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ لو شاء الله لجعل الناس كلهم على ملة واحدة أو دين واحد وهو دين التوحيد؛ أي الإسلام - وقيل: جعلهم أهل دين واحد سواء كان ذالك الضلال أو الهدى، الكفران أو الإيمان.

قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ أي متفرقين على أديان شتى وملل كثيرة ومختلفة؛ فهم ما بين يهود ونصارى ومجوس ودهريين وبوذيين ووثنيين وملحدين وغيرهم من مختلف الملل والنحل الضالة السادرة في الغي.

التفسير الشامل للقران الكريم · الصفحة ١١٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التفسير الشامل للقران الكريمص ١١٧٠