﴿لا يجرمنكم﴾، أي لا يكسبنكم، أو لا يحملنكم - ومنه، جرم بمعنى كسب وكذا اجترم 120 - وذلك إخبار من الله عن قيل شعيب لقومه وهو يحاورهم ناصحا واعظا ومحذرا، فيقول: لا يحملنكم ﴿شقاقي﴾ أي خلافكم لي وعاداتكم إياي على ترك الإيمان بالله وطاعته فيصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح من الطوفان والتغريق - أو قوم هود أو قوم هود من التدمير بالريح، أو ما أصاب قوم صالح من الرجفة المزلزلة ﴿وما قوم لوط منكم ببعيد﴾ فهم أقرب الهالكين منكم في الزمان وفي المكان - فمنازلهم قريبة منكم؛ إذ تمرون عليها في أسفاركم، فاتعظوا واعتبروا واحذروا أن يحل بكم ما حل بهؤلاء، فإن عذاب الله محيط بالطغاة والمستكبرين المجرمين - وإنه إذا جاء لا يرد بأسه عن القوم الهالكين الخاسرين.
90 - (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ)
﴿واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه﴾ أي اطلبوا من الله أن يغفر لكم ما سلف من شرككم وذنوبكم وما أنتم عليه الآن مقيمون من الجحود والعصيان وبخس الناس حقوقهم - ثم ارجعوا على رحاب الله بالطاعة والإنابة والامتثال لأمره وشرعه ﴿أن ربي رحيم ودود﴾ ﴿رحيم﴾ بمن تاب غليه وأناب وهو كذلك ﴿ودود﴾ ذو مودة لعباده المؤمنين المخبتين المخلصين 121.
91 - (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ)
قوله تعالى: ﴿قالوا يا شعيب ما نفقه كثير مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز 91 قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ربي بما تعلمون محيط﴾ قال قوم شعيب لنبيهم شعيب لما نصحهم ووعظهم: لا نفهم حقيقة كثير مما تقوله لنا وتخبرنا به - وقيل: قالوا ذلك على سبيل الإعراض والمعاندة، واحتقار لكلامه عليه السلام.
قوله: ﴿وإنا لنراك فينا ضعيفا﴾ ﴿ضعيفا﴾، منصوب على الحال من الكاف؛ لأنه من رؤية العين - ولو كان من رؤية القلب لكان مفعولا ثانيا 122 - استضعف المشركون شعيبا؛ وسبب ضعفه كونه ضريرا لا يبصر - أو كان ضعيف البصر.
قوله: ﴿ولولا رهطك لرجمناك﴾ الرهط: ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امراة - ورهط الرجال: قومه وقبيلته - وليس للرهط واحد من لفظه والجمع أرهط أرهاط وأراهط 123.
والمعنى: أنه لولا عشيرتك لقتلناك بالرجم؛ فقد كانت عشيرته من أهل ملتهم، من اجل ذلك لم يرجموه.
قوله: ﴿وما أنت علينا بعزيز﴾ أي لست أنت علينا ممتنعا ولا ممن يعظم علينا إذلاله أو يصعب علينا هوانه، وغنما يعز علينا رهطك؛ فهم من أهل ديننا.
92 - (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)
قوله: ﴿قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله﴾ قال لهم شعيب: أعشيرتي وأهلي وأعظم في قلوبكم، وأجل في نفوسكم من الله وهو مالكي ومالككم، أو تتركونني من أجل أهلي وعشيرتي ولا تتركونني تعظيما لجلال الله ﴿واتخذتموه وراءكم ظهريا﴾ الظهري: المنسوب إلى الظهر؛ أي ونبذتم دينه خلفكم فلا تطيعونه ولا تعظمونه ولا تؤمنون به وحده؛ بل تجحدونه وتبعدون معه آلهة أخرى.
قوله: ﴿إن ربي بما تعلمون محيط﴾ الله محيط علمه بعلمكم فلا يخفي منه على الله شيء، وهو مجازيكم عن كل أعمالكم ما ظهر منها وما بطن 124.