والغيبة تكون في القول، والإشارة والإيماء والغمز واللمز، والكتابة والحركة، وكل ما يفهم المقصود فهو داخل في الغيبة . تقول عائشة رضي الله عنها : دخلت علينا امرأة فلما ولَّت أومأت بيدي أنها قصيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: "اغتبتيها".
بواعث الغيبة
يقول ابن تيمية رحمه الله في بواعث الغيبة :
(1) إن الإنسان قد يغتاب موافقة لجلسائه وأصحابه مع علمه أن المغتاب بريء مما يقولون أو فيه بعض ما يقولون، لكن يرى أنه لو أنكر عليهم لقطع المجلس واستثقله أهل المجلس .
(2) ومنهم من يخرج الغيبة في قالب ديانة وصلاح ويقول : ليس لي عادة أن أذكر أحداً إلا بخير، ولا أحب الغيبة والكذب، وإنما أخبركم بأحواله، والله إنه مسكين، ورجل جيد، ولكن فيه كذا وكذا، وربما يقول : دعونا منه، الله يغفر لنا وله، وقصده من ذلك استنقاصه .
(3) ومنهم من يخرج الغيبة في قالب سخرية ولعب ليضحك غيره بمحاكاته واستصغاره المستهزأ به .
(4) ومنهم من يخرج الغيبة في قالب تعجب فيقول : تعجبت من فلان كيف لا يفعل كيت وكيت، ومن فلان كيف فعل كيت وكيت .
(5) ومنهم من يخرج الغيبة في قالب الاغتمام، فيقول: مسكين فلان غمَّني ما جرى له وما تم له، فيظن من يسمعه أنه يغتم له ويتأسف، وقلبه منطوٍ على التشفي به .
(6) ومنه من يظهر الغيبة في قالب غضب وإنكار منكر وقصده غير ما أظهر .
خطورة الغيبة
إن هذا الأمر على خطورته في الدنيا والآخرة لم يأبه به كثير من الناس، وتهاونوا في أمره تهاوناً عظيماً، بل اعتبروه فاكهة مجالسهم، فإنك لا تكاد تجلس في مجلس إلا وهذا الوباء موجود فيه . وسبب انتشاره هو عدم إدراك خطورته . فانظر - يا رعاك الله- إلى هذه النصوص الكريمة ليتبين لك شناعة الغيبة وخطورتها :
عن عائشة رضي الله عنها قالت : قلت : يا رسول الله، حسبك من صفية أنها قصيرة، فقال صلى الله عليه و سلم : "لقد قلت كلمةً لو مُزجت بماء البحر لمزجته".
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أنهم ذكروا عند رسول الله صلى الله عليه و سلم رجلاً، فقالوا : لا يأكل حتى يطعم، ولا يرحل حتى يُرحل له، فقال النبي صلى الله عليه و سلم : "اغتبتموه" فقالوا : يا رسول الله، حدثنا بما فيه، قال: "حسبك إذا ذكرت أخاك بما فيه".
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن رجلاً اعترف بالزنا أمام رسول الله صلى الله عليه و سلم أربع مرات، فأقام عليه الحد، فسمع الرسول صلى الله عليه و سلم رجلين من الأنصار يقول أحدهما لصاحبه : انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه، فلم يدع نفسه حتى رُجم رجم الكلب، قال : فسكت رسول الله صلى الله عليه و سلم . ثم سار ساعة فمرَّ بجيفة حمار شائل برجله - أي قد انتفخ بطنه - فقال عليه الصلاة والسلام: "أين فلان وفلان؟" فقالا: ها نحن يا رسول الله، فقال لهما : "كُلا من جيفة هذا الحمار" فقالا : يا رسول الله، غفر الله لك، مَنْ يأكل من هذا؟ ! فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: فما نلتما من أخيكما آنفاً أشد من أكل هذه الجيفة، فوا الذي نفسي بيده، إنه الآن في أنهار الجنة ينغمس فيها" [ رواه أحمد وصححه الألباني ] .
وروى أنس رضي الله عنه قال : كانت العرب يخدم بعضها بعضاً في الأسفار، وكان مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما رجل يخدمهما، فاستيقظا مرة ولم يهيئ لهما طعاماً، فقال أحدهما لصاحبه : إن هذا ليوائم نوم بيتكم فأيقظاه، فقالا: ائت رسول الله صلى الله عليه و سلم فقل : إن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام وهما يستأدمانك، فذهب وأخبر الرسول صلى الله عليه و سلم ، فقال الرسول صلى الله عليه و سلم : "قد ائتدما"، فجاء الغلام وأخبرهما، ففزعا وجاءا إلى رسول الله فقالا : يا رسول الله، بعثنا إليك نستأدمك فقلت: قد ائتدمتما، بأي شيء ائتدمنا . قال عليه الصلاة والسلام : "بلحم أخيكما، والذي نفسي بيده إني لأرى لحمه بين أنيابكما"، قالا : استغفر لنا يا رسول الله، قال : "هو بل يستغفر لكما".