تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويردونَ أيديهَم على أعينهِم من البوارق, لا عاصمَ لخطفِ الأبصار, ولا ملجأ من الَخطْبِ، إلا معاقلُ الاستغفار, وفرَّ الناس نساءً ورجالاً وأطفالا, ونفروا من دورِهم خفافاً وثقالا لا يستطيعونَ حيلةً ولا يهتدون سبيلا, فاعتصموا بالمساجدِ الجامعة، وأذعنوا للنَّازلة بأعناقٍ خاضعة، وبوجوهٍ عانية، ينظرون من طرفٍ خفي, ويتوقعون أيَّ خطبٍ جلي, قد انقطعتْ عن الحياةِ عُقولُهم, وعميتْ عن النجاةِ طُرُقهم, ووردتْ الأخبار بأنها قد كُسِرت المراكبُ في البحار، والأشجارُ في القفار، وأتلفتْ خلقاً كثيرا ًمن الأسفار, إلى أن قال:ولا يحسبُ أحدٌ أني أرسلتُ القلمَ محرفاً, والعلم مُجوفاً، فالأمرُ أعظم ولكنَّ الله سلم. انتهى كلامه رحمه الله .

أيها المسلمون : إن هذه العقوباتِ المهلكة, والكوارثَ المفجعة, ليست ضرباً من الخيال، وليس فيها شيء من التهويل والمبالغة، فالله يقول : (( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ )) (هود:102)

لكن الذي نشأ منذُ نعومةِ أظفاره في بحبوحةٍ من العيش, لم يذقْ مرارة َالجوع طرفةَ عين, حريٌ به أن يعجبَ مما سمعَ كلَّ العجب, لكنْ سلوا الآباء والأجداد الذين اصطلوا بنارِ الجوع, ولهيبِ الظمأ دهراً طويلا، وارتعدتْ فرائصهُم وقلوبُهم من قطاعِ الطريق، وعصاباتِ السطو في وضحِ النهار, يتضحُ أنَّه ليسَ في الأمرِ غرابةٌ من قريبٍ أو بعيد, فاعتبروا يا أولي الأبصار.

الخطبة الثانية

أيها المسلمون :

فإن للعقوباتِ أسباباً كثيرةً, ورد ذكرُ بعضهِا في الكتابِ والسنَّةِ، وجامعُها المعاصي والذنوبُ, والتكذيبُ والإعراضُ, فمن أسبابِ العقوباتِ المدمرة, والفواجعِ المهلكة, إقصاءُ الشريعة عن الحكمِ والتشريع, أو تطبيقُها على أضيقِ نطاق, مع المنةِ والأذى, والله يتوعدُ الأمة إن هي فعلتْ ذلك بالخزيِ والنكالِ في الحياةِ الدنيا, ولعذابُ الآخرةِ أشدُ وأبقى, : (( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)) [البقرة: من الآية85] .

ومن أسبابِ العقوباتِ في الدنيا قبلَ الآخرة, إشاعةُ الفاحشةِ في الذين آمنوا. وفي ذلك يقولُ ربنا جل جلاله : (( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ )) [النور:19] .

ومن إشاعةِ الفاحشة: الدعوةُ للاختلاط, ونزعِ الحجاب, وعرضُ الفساد والفنِ الرخيص, وبثُ السمومِ والأفكارِ المستوردة, مما لا يتسعُ المقام لسرده وفي الأثر : « وما أعلن قومٌ الفاحشة إلا عمتهم الأوجاعُ, والأسقامُ التي لم تكن في أسلافهم » .

ومن أسبابِ العقوبات: منعُ الزكاة ، تلك التي لو قامَ أثرياءُ المسلمين بأدائها لما وجدتَ بين المسلمين فقيراً, ولا محتاجاً, وأسمع إلى عقوبةِ الأمة حين تبخل بزكاةِ أموالِها, قال عليه الصلاة والسلام : « وما منع قومٌ زكاة أموالهم إلا منعوا القطرَ من السماء ولولا البهائمْ لم يمطروا » .

وقد يستخفُ أقوامٌ بهذه العقوبة, ويستطرفونها, لأنهم اعتادوا تدفقَ المياهِ ووفرتَها في بيوتِهم, لكنهم لو قلبوا النظر يمنةً ويسرة في البلادِ التي أصابَها القحطُ والجفاف, لعلموا أنهم كانوا واهمين, وعن الصراط لناكبين .

ومن أسبابِ العقوبات كذلك: تركُ الأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر, والذي بتركهِ تستفحلُ الفاحشة, وتعمُ الرذيلة, ويستطيلُ الشر, وتخربُ البلادُ والعباد, واسمع لعقوبةِ الأمة حين تتخلى عن فريضةِ الأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر: ففي المسندِ وغيرهِ من حديثِ حذيفةَ رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام : « والذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف ولتنهون عن المنكر, أو ليبعثن الله عليكم عقابا منه, ثم تدعونه فلا يُستجاب لكم» ([1]) ألا فضّ اللهُ أفواهاً, وأخرس ألسناً تريدُ لهذهِ الفريضةِ أن تموت.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٨٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٨٢٩