ولو أسلم الحربي الذي بايع المسلم ودخل دار الإسلام ، أو أسلم أهل الدار : فما كان من ربا مقبوض أو بيع فاسد مقبوض فهو جائز ماض ، وما كان غير مقبوض يبطل ؛ لقوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ (1) ، أمرهم سبحانه وتعالى بترك ما بقي من الربا ، والأمر بترك ما بقي من الربا نهي عن قبضه ، فكأنه تعالى قال : اتركوا قبضه ، فيقتضي حرمة القبض .
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « كل ربا في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي » (2) . والوضع : عبارة عن الحط والإسقاط ، وذلك فيما لم يقبض ، ولأن بالإسلام حرم ابتداء العقد فكذا القبض بحكم العقد ؛ لأنه تقرير العقد وتأكيده ، فيشبه العقد فيلحق به ؛ إذ هو عقد من وجه فيلحق بالثابت من
(1) سورة البقرة الآية 278
(2) صحيح مسلم الحج (1218),سنن أبو داود المناسك (1905),سنن ابن ماجه المناسك (3074),مسند أحمد بن حنبل (3/321),سنن الدارمي المناسك (1850).
كل وجه في باب الحرمات احتياطا ، ومتى حرم القبض لم يكن في بقاء العقد فائدة .
ومنها : أن لا يكون البدلان ملكا لأحد المتبايعين ، فإن كان لا يجري الربا ، وعلى هذا يخرج العبد المأذون إذا باع مولاه درهما بدرهمين ، وليس عليه دين أنه يجوز ؛ لأنه إذا لم يكن عليه دين فما في يده لمولاه ، فكان البدلان ملك المولى ، فلا يكون هذا بيعا ، فلا يتحقق الربا ؛ إذ هو مختص بالبياعات .
وكذلك المتعاوضان إذا تبايعا درهما بدرهمين يجوز ؛ لأن البدل من كل واحد منهما مشترك بينهما ، فكان مبادلة ماله بماله ، فلا يكون بيعا ولا مبادلة حقيقة . وكذلك الشريكان ، شركة العنان إذا تبايعا درهما بدرهمين من مال الشركة جاز لما قلنا .
ولو تبايعا من غير مال الشركة لا يجوز ؛ لأنهما في غير مال الشركة أجنبيان . ولو كان على العبد المأذون دين فباعه مولاه درهما بدرهمين لا يجوز بالإجماع . أما عند أبي حنيفة رحمه الله فظاهر ؛ لأن المولى لا يملك كسب عبده المأذون المديون عندهم فلم يجتمع البدلان في ملك واحد ، وعندهما وإن كان يملك لكن ملكا محجورا عن التصرف فيه ؛ لتعلق حق الغرماء به ، فكان المولى كالأجنبي عنه . وكذلك المولى إن عاقد مكاتبه عقد الربا لم يجز ؛ لأن المكاتب في حق الاكتساب ملحق بالأحرار ؛ لانقطاع تصرف المولى عنه فأشبه الأجانب .
وأما إسلام المتبايعين ، فليس بشرط لجريان الربا ، فيجري الربا بين أهل الذمة ، وبين المسلم والذمي ؛ لأن حرمة الربا ثابتة في جهنم ؛ لأن الكفار مخاطبون بشرائع هي حرمات إن لم يكونوا مخاطبين بشرائع هي عبادات عندنا . قال الله تعالى : ﴿ وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ﴾ (1) .
وروي « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى مجوس هجر : إما أن تذروا الربا ، أو تأذنوا بحرب من الله ورسوله » . وهذا في نهاية الوعيد فيدل على نهاية الحرمة ، والله سبحانه وتعالى أعلم (2) .
ب - قال : ( ولا بين المسلم والحربي في دار الحرب )
خلافا لأبي يوسف رحمه الله ، والشافعي رحمه الله : لهما الاعتبار بالمستأمن منهم في دارنا ، ولنا : قوله عليه الصلاة والسلام : « لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب » ، ولأن مالهم مباح في دارهم فبأي طريق أخذه المسلم ، أخذ مالا مباحا إذا لم يكن منه غدر بخلاف المستأمن منهم ؛ لأن ماله صار محظورا بعقد الأمان .
( قال ) أي القدوري في مختصره : ( ولا ربا بين المولى وعبده ؛ لأن العبد وما في يده ملك مولاه فلا يتحقق الربا وهكذا ) أي : عدم كون الربا بين المولى وعبده ( إذا كان ) أي : العبد ( مأذونا له ) في التجارة ولم يكن عليه دين ، أما إذا كان عليه دين لا يجوز بالاتفاق ؛ لأن ما في يده ليس ملك
__________
(1) سورة النساء الآية 161
(2) بدائع الصنائع 3127 .
المولى عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما ( تعلق به ) أي بما في العبد ( حق الغرماء فصار ) أي : العبد ( كأجنبي ) من مولاه ( فيتحقق الربا كما يتحقق ) أي : الربا ( بينه ) أي : بين المولى ( وبين مكاتبه ) ؛ لأن المكاتب صار كالحر يدا ، أو تصرفا في كسبه ، الربا بينه وبين مولاه ؛ كما يجري بينه وبين غيره .
( قال ) أي القدوري رحمة الله : ( ولا بين المسلم والحربي في دار الحرب ) أي : ولا ربا أيضا بين المسلم الذي دخل دار الحرب بأمان وباع درهما بدرهمين ، وكذا إذا باع خمرا ، أو خنزيرا ، أو ميتة ، أو قامرهم ، وأخذ المال كل ذلك يحل له إذا كان في دار الحرب ، عند أبي حنيفة ، ومحمد ، ( خلافا لأبي يوسف ، والشافعي ، رضي الله عنهما ) ومالك وأحمد .
( لهما ) أي : لأبي يوسف والشافعي : ( الاعتبار بالمستأمن منهم في دارنا ) يعني : المستأمن من أهل الحرب الذي دخل دارنا بأمان تجري الربا بينه وبين المسلم ، فكذلك بجامع تحقق الفضل الحالي عن العرض المستحق بعقد البيع .
( ولنا قوله عليه الصلاة والسلام ) أي قول النبي صلى الله عليه وسلم : « لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب » ، هذا حديث غريب ليس له أصل مسند ، وقال الكاكي : ( ولنا الحديث المذكور في المتن ) . وفي المبسوط عن مكحول ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « لا ربا بين المسلم . . . » الحديث . وهذا الحديث وإن كان مرسلا فمكحول ثقة ، والمرسل من مثله مقبول ، وقال الأكمل : ( ولأبي حنيفة ، ومحمد رحمه الله ما روى مكحول . . . ) إلى آخره ، ثم قال : ( ذكره محمد بن الحسن وذكره الأترازي كذا ) ، ثم قال : ( كذا في شرح أبي نضر ) قلت : أسند البيهقي في المعرفة في كتاب السير عن الشافعي رضي الله عنه قال : قال أبو يوسف رحمه الله : ( إنما قال أبو حنيفة رضي الله عنه هذا ؛ لأن بعض النسخة حدثنا عن مكحول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « لا ربا بين أهل الحرب » أظنه قال : « وأهل الإسلام » . قال الشافعي رضي الله عنه : ( هذا ليس بثابت ولا حجة فيه ) . انتهى .
قلت : لا نسلم عدم ثبوته ؛ لأن جلالة قدر الإمام لا تقتضي أن يجعل لنفسه مذهبا من غير دليل واضح ، وأما قوله : ( ولا حجة فيه ) فبالنسبة إليه ، لأن مذهبه عدم العمل بالمرسلات ، إلا مرسل سعيد بن المسيب ، والمرسل عندنا حجة على ما عرف في موضعه ، والله أعلم .
( ولأن مالهم ) أي : مال أهل الحرب ( مباح في دارهم ) ؛ لأنه غير معصوم ، أي : في أخذه ( غدر ) ؛ لأن الغدر حرام ( بخلاف المستأمن منهم ) ، هذا جواب عن قياس أبي يوسف والشافعي رضي الله عنهما تقريره ما قاله بقوله : ( لأن ماله ) أي : من المستأمن ( صار محظورا ) أي : ممنوعا أخذه ( بعقد الأمان ) ، ولهذا لا يحل تناوله بعد انقضاء المدة ، وفي الحجى في الكناية : مستأمن هنا باشر مسلما أو ذميا في دارهم أو من أسلم هناك شيئا من العقود التي لا تجوز فيما بيننا ؛ كالربويات ، وبيع الميتة ، جاز عندهما .
خلافا لأبي يوسف والأئمة الثلاثة ، والله أعلم .
جـ - قال في تنوير الأبصار وشرحه الدر المختار والتعليق عليه رد المحتار :
( ولا بين حربي ومسلم مستأمن ) ولو بعقد فاسد أو قمار ( ثمة ) ؛ لأن ماله ثمة مباح ، فيحل برضاه مطلقا بلا عذر خلافا للثاني . والثلاثة ( و ) حكم ( من أسلم في دار الحرب ولم يهاجر كحربي ) فللمسلم الربا معه خلافا لهما ؛ لأن ماله غير معصوم فلو هاجر إلينا ، ثم عاد إليهم فلا ربا اتفاقا جوهرة :