﴿من أَي شَيْء خلقه (١٨) من نُطْفَة خلقه فقدره (١٩) ثمَّ السَّبِيل يسره (٢٠) ثمَّ أَمَاتَهُ فأقبره (٢١) ثمَّ إِذا شَاءَ أنشره (٢٢)﴾ . الْموضع ذكر قَول الرَّسُول، فَأمر أهل الرّفْقَة أَن يحرسوه تِلْكَ اللَّيْلَة فَفَعَلُوا، وَجَاء الْأسد وثب وثبة وَصَارَ على ظَهره وافترسه ".
وَقَوله: ﴿مَا أكفره﴾ وَيجوز أَن يكون أَيْضا على وَجه التوبيخ، وَإِن كَانَ اللَّفْظ لفظ الِاسْتِفْهَام فَالْمَعْنى: أَي شَيْء أكفره بِاللَّه، وَقد أرَاهُ من قدرته مَا أرَاهُ.
وَقَوله: ﴿من أَي شَيْء خلقه﴾ مَعْنَاهُ: أَفلا يتفكر هَذَا الْكَافِر من أَي شَيْء خلقه الله تَعَالَى، ثمَّ بَين من أَي شَيْء خلقه،
وَقَوله: ﴿من نُطْفَة خلقه﴾، وَقَوله تَعَالَى: ﴿فقدره﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: سوى خلقه من يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ وَعَيْنَيْهِ وَسَائِر جوارحه الظَّاهِرَة والباطنة، وَهُوَ فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿خلقك فسواك﴾ وَقيل: فقدره أَي: وضع كل شَيْء مَوْضِعه، وهيأ لَهُ مَا يصلحه.
وَقَوله: ﴿ثمَّ السَّبِيل يسره﴾ أَكثر أهل التَّفْسِير على أَن المُرَاد مِنْهُ هُوَ الْخُرُوج من الرَّحِم، وَقيل مَعْنَاهُ: يسر لَهُ سَبِيل الْخَيْر، وَقيل: بَين لَهُ سَبِيل الشقاوة والسعادة، قَالَه مُجَاهِد، وَالَّذِي تقدمه قَول الْحسن.
وَقَوله: ﴿ثمَّ أَمَاتَهُ فأقبره﴾ أَي: جعل لَهُ قبرا يدْفن فِيهِ، يُقَال: قبرت فلَانا إِذا دَفَنته، وأقبرته إِذا جعلت لَهُ موضعا يدْفن فِيهِ.
قَالَ الْأَعْشَى:
(لَو أسندت مَيتا إِلَى نحرها ... عَاشَ وَلم ينْقل إِلَى قابر)
وَقَوله: ﴿ثمَّ إِذا شَاءَ أنشره﴾ أَي: أَحْيَاهُ وَبَعثه.
قَالَ الْأَعْشَى:
(حَتَّى يَقُول النَّاس مِمَّا رَأَوْا ... يَا عجبا للْمَيت الناشر)