ذلك الإدراك إنما حصل في قلب ذلك الشيطان، لأن شيطانا آخر ذكره، لزم التسلسل. وإن
انتهت هذه الحركات والبواعث والدواعي إلى أنها لم تقع إلا بتخليق اللَّه وبتكوينه فقد صار الكل من اللَّه وحينئذ يرجع حاصل قوله أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم إلى ما صرح به رسول اللَّه وهو قوله: «أعوذ بك منك» (1) فوسوسة الشيطان هي المبدأ القريب، وفعل الحق سبحانه هو المبدأ البعيد. لأنه سبحانه مسبب الأسباب. ومراتب الكتاب منتهية إليه، ودرجات الحاجات متصاعدة إليه.
ونظيره: قوله تعالى: اَللّاهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ (2) ثم قال: قُلْ: يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ (3) ثم قال: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا (4) وما ذاك إلا لما ذكرنا: من أن من الأسباب ما قد تكون قريبة، وقد تكون بعيدة. فكذا هاهنا.
الوجه السابع: إن المقصود من الاستعاذة. إما أن يكون طلب مصالح الدين، أو طلب مصالح الدنيا. فإن كان الأول فالمطلوب: إما الإقدار، أو التمكين، أو تحصيل الإيمان. أما الأول فهو حاصل عند المعتزلة. فلم لا يجوز طلبه؟ وأما الثاني فذاك اعتراف بأن الإيمان والكفر من اللَّه. وأما مصالح الدنيا فهي خسيسة. فلا يجوز أن يجعل المكلف طلبها، مقدمة لإقدامه على جميع العبادات والطاعات. واللَّه أعلم.
فهذا خلاصة المباحث الواقعة في ماهية الاستعاذة، على المذهبين.
وباللَّه التوفيق
(1) حديث «أعوذ بك منك» هو جزء من حديث عائشة رضي اللَّه عنها: قالت: «فقدت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم من الفراش. فالتمسته فوقعت يدي في بطن قدميه وهو في المسجد. وهما في المسجد منصوبتان وهو يقول: اللهم إني أعوذ بك برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك».
رواه مسلم في الصلاة باب ما يقال في الركوع والسجود ((352) / (1) رقم (486)). ومالك ((214) / (1)) وأبو داود في الصلاة باب في الدعاء في الركوع والسجود ((230) / (1) رقم (879)). والترمذي في الدعوات باب (16) ((524) / (5) رقم (3493)) والنسائي ((225) / (2)) وابن ماجه ((1262) / (2) رقم (3841)). وأحمد ((58) / (6) - (201)).
(2) سورة الزمر الآية (42).
(3) سورة السجدة الآية (11).
(4) سورة الأنعام الآية (61).