إذن دعني آتيك من زاوية أخرى لأسأل: ما هو الحد الزمني الفاصل بين سيادة كل من منهج المتقدمين ومنهج المتأخرين؟
- الفاصل المنهجي بين المتقدمين والمتأخرين هو عصر الرواية الذهبي الذي كان يعتمد على الرواية المباشرة لا على الكتاب، وهو ينتهي إلى القرن الرابع الهجري، ثم بعد ذلك بدأ الاعتماد على كتابة الحديث، والاتكاء على ما قرره المتقدمون فيما يخص الحديث والرواية والنقد.
ولكن هل تقولون إن من المتأخرين مَن لم يفهم مصطلحات المتقدمين؟
- أنا لا أستطيع أن أقول ذلك صراحة، لكني أقول: مِن خلال اطلاعي على أعمال بعض المتأخرين فإنه يُفهم منها أنهم لم يستطيعوا أن ييستوعبوا منهج المتقدمين.
وهل ترى أنك بذلت الجهد الكافي في التأصيل والتعريف بنظريتك في التفريق بين المنهجين؟
- أنا بذلت جهدي ولكني لا أستطيع أن أحكم عليه.
مَن هم العلماء الذين تأثرت بتحقيقاتهم وجهودهم حتى وصلت إلى تأصيل هذه النظرية؟
- عند كتابتي رسالة الدكتوراه كنت أتوقف كثيراً عند دراسة أي حديث أحتاج إلى دراسته، وأرجع في ذلك إلى كتب الحديث جميعها تقريباً، وخاصة الرسائل الجامعية والكتب الجديدة، فأكتشف الأخطاء والفروق بين مناهج الحكم على الحديث، فأدرس وأرجع إلى مراجع أخرى .. وهكذا، وكنت أتأثر كثيراً أثناء ذلك بتحقيقات ابن رجب الحنبلي، والحافظ الذهبي، والشيخ عبدالرحمن المعلمي، وآراؤهم عندي معتمدة تقريباً، وتحرك في داخلي حب التحقيق والتدقيق للوصول إلى الحقيقة.
ومن هم الذين خالفوك في التفريق بين منهجي المتقدمين والمتأخرين في التصحيح والتضعيف؟
- أنا لا يهمني من هم المخالفون، وهم بهذه المخالفة والمعارضة خدموني أكثر مما أساؤوا إلي.
ولكن هل هؤلاء المعارضون واعون لأبعاد نظريتك، أم استحكم عليهم هاجس التوجس من كل طرح جديد؟
- في الحقيقة لا أستطيع أن أحكم عليهم، والله يتولى سرائرهم.
ما هي الآثار التي تترتب على نظريتكم في التفريق بين المتقدمين والمتأخرين، سواء على الجانب الحديثي أو العقدي أو الفقهي؟
- الآثار الإيجابية كبيرة جداً، وأهم الإيجابيات هو الدفاع عن دقة منهج المحدثين في التصحيح والتضعيف للحفاظ على السنة النبوية، والأمر الثاني هو تصحيح المفاهيم سواء في جانب الأحكام أو السلوك أو الجانب الفقهي أو العقدي، فهناك مفاهيم خاطئة أُسست على أحاديث غير صحيحة.
لو تعطينا مثالاً توضيحياً على ذلك، ولنأخذ الجانب العقدي مثلاً؟
- لو رجعنا مثلاً إلى أفكار بعض المتصوفة لرأيت أن أكثرها قائم على أحاديث واهية وضعيفة، فنحن نريد أن نقنع هؤلاء بأهمية هذا المنهج الدقيق في النقد.
وهل تعتبر نظريتك في التفريق بين منهجي المتقدمين والمتأخرين منطلقاً لمشروعك الحديثي الكبير؟
- مشروعي هو التفريق بين أسلوبين مختلفين في التصحيح والتضعيف، فكيف أقبل قول من يرد كلاماً للإمام البخاري أو الإمام أحمد بناء على دراسة شكلية من خلال النظر في أحوال بعض الرواة ثم يقول: لو اطلع أبو حاتم الرازي أو غيره من الأئمة على دراستي لما تجاوزوا النتيجة التي توصلت إليها! فمعنى ذلك أنهم لم يستوعبوا كيف كان البخاري ومسلم وأمثالهما يصححون ويضعفون!
الإمام البخاري كان يحفظ مئات الآلاف من الروايات، وصحيح البخاري إنما هو ملخص لما كان يحفظه، فهو بالنسبة لديه محل الدراسة، فهو يقوم بالمقارنة بين مجموعة كبيرة من الروايات التي يستحضرها، ومن خلال المقارنة يقوم باختيار الحديث الذي يريد أن يضمنه كتابه الصحيح، فالأمر لم يكن اعتباطاً ولا عبثاً، وإنما كان قائماً على قواعد متينة.
كثيرون أصبحوا يؤيدون نظريتك الحديثية، ولكن التباين واضح في كثير من آرائهم، فلماذا لا يجتمعون ويؤصلون لهذه النظرية بشكل شمولي وجماعي؟
- مشكلتنا أننا - كمحدثين - نعيش حالة فوضى، فلا يوجد لنا مَجمع يجمع كل المشتغلين في علوم الحديث، بينما هناك مجامع فقهية ولغوية، فنحن بحاجة إلى مثل هذا المجمع، وكل إنسان يخطئ ويصيب، فمن منا معصوم عن الخطأ!! ولكن عندما يكون الرأي المطروح جماعياً فإنه يكون أقرب إلى الصواب.