تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهذا التعدي من هذا الدكتور وغيره على تفسير آيات الله دون علم يحتِّم على الواقع فيه أن لا يخوض في مسائل لا يحسنها فيقع في طامات ربما لا يدرك مآلاتها!

وكان مما تكلم فيه الدكتور المحترم؛ مسألة حوار الآخر (وهو هنا يعني الحوار مع غير المسلم) فذكر قول الله عز وجل: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: 24].

يقول الدكتور: "فها هو القرآن لم يحسم الأمر ويقول: أنا على حق، فقد نكون نحن على حق أو هم على حق، القرآن لم يقل هو على حق وإن كنا نرى أننا على حق!! "

أقول: فماذا بعد الجهل إلا الضلال!!

إذا كان الآخر وهو غير المسلم ليس على حق ونحن على حق، فلم الحوار إذن؟! أتظن يا دكتور أن رؤوس الكفر من النصارى واليهود وغيرهم من الملل سيجلسون معك ومع ممن يناصرك في هذه الحوارات ويقولون لك: نعم الإسلام على حق، ونحن على ضلال؟!!

أما هذه الآية التي ذكرها الدكتور وقال فيها ما قال بجهل شديد؛ فنبيّن له أقوال أهل التفسير فيها ليعلم أنه وضع الشيء في غير مكانه، بل أساء إلى القرآن من حيث لا يشعر.

ومعنى الآية عند السلف: "إنا لعلى هدى، وإنكم لفي ضلال مبين".

ودخول: "أو" هنا في العربية له وجه، وقد بين ذلك ابن جرير في تفسيره، فقال بعض نحويي البصرة: "ليس ذلك لأنه شك، ولكن هذا في كلام العرب على أنه هو المهتدي، قال: وقد يقول الرجل لعبده: أحدنا ضارب صاحبه. ولا يكون فيه إشكال على السامع أن المولى هو الضارب".

ثم يقول ابن جرير: "والصواب من القول في ذلك عندي أن ذلك أمر من الله لنبيه بتكذيب من أمره بخطابه بهذا القول بأجمل التكذيب، كما يقول الرجل لصاحب يخاطبه، وهو يريد تكذيبه في خبر له: أحدنا كاذب، وقائل ذلك يعني صاحبه لا نفسه، فلهذا المعنى صير الكلام بأو".

فهذه الآية خبر عن حال هؤلاء وأنهم على ضلال ولا شك في ذلك، وهو حسم من الله، لا كما ادعى الدكتور.

وهذا مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾، فالله عز وجل عالم بكل ما ذكر، وإنما هذا الخطاب على وجه الترفّق بعباده، واستمالتهم إلى طاعته، وهو سبحانه قد علم أن نبيه صلى الله عليه وسلم على هدى، وأنهم على ضلال مبين، ولكنه رَفقَ بهم في الخطاب، فلم يقل: أنّا على هدى، وأنتم على ضلال. فكذلك قوله: ﴿إلا لنعلم﴾، معناه عند بعض المفسرين: "إلا لتعلموا أنتم، إذ كنتم جُهالاً به قبل أن يكونَ. فأضاف العلم إلى نفسه، رفقًا بخطابهم".

قال ابن كثير: "هذا من باب اللف والنشر، أي: واحد من الفريقين مبطل، والآخر محق، لا سبيل إلى أن تكونوا أنتم ونحن على الهدى أو على الضلال، بل واحد منا مصيب، ونحن قد أقمنا البرهان على التوحيد، فدل على بطلان ما أنتم عليه من الشرك بالله؛ ولهذا قال: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ".

فيا أيها الدكتور الكريم، أعط القوس باريها، ولا تقف ما ليس لك به علم، ورحم الله امرءاً عرف قدر نفسه.

21/ 2/2011 م

نشرت في جريدة السبيل: 22/ 2/2011 م.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٩٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٩٧٧