تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما التفسير فإنّ أعلم الناس به أهل مكة؛ لأنهم أصحاب ابن عباس كمجاهد وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس وغيرهم من أصحاب ابن عباس كطاوس وأبي الشعثاء وسعيد بن جبير وأمثالهم، وكذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود، ومن ذلك ما تميزوا به على غيرهم، وعلماء أهل المدينة في التفسير مثل: زيد بن أسلم الذي أخذ عنه مالكٌ التفسيرَ، وأخذه عنه أيضاً ابنه عبد الرحمن، وأخذه عن عبد الرحمن عبد الله ابن وهب."

وقد نقل ابن حجر مقولة أحمد - رحمه الله- في مقدمة اللسان (1/ 13) ثم قال: "ينبغي أن يُضاف إليها الفضائل، فهذه أودية الأحاديث الضعيفة والموضوعة، إذ كانت العمدة في المغازي على مثل الواقدي، وفي التفسير على مثل مقاتل والكلبي، وفي الملاحم على الإسرائيليات، وأما الفضائل فلا تُحصى كم وضع الرافضة في فضل أهل البيت، وعارضهم جهلة أهل السنة بفضائل معاوية بدأ، وبفضائل الشيخين، وقد أغناهما الله وأعلى مرتبتهما عنها."

وكذلك نقل مقولة الإمام أحمد: العجلوني في خاتمة كتابه ((كشف الخفاء)) (2/ 544) فقال: "قد اشتهر لقاء الأئمة بعضهم لبعض، وكذا اشتهر تصانيف تضاف لأناس، وقبور لأقوام ذوي جلالة مع بطلان ذلك كلّه، وأناس يُذكرون بين كثير من العوام بالعلم، إما مطلقاً أو في خصوص علم معين، وربما تساهل في ذلك من لا معرفة له بذلك العلم تقليداً أو استصحب ما كان متصفاً به ثم زال بالترك، أو تشاغل بما انسلخ به عن الوصف الأول، وجميع هذا كثير، فمن الأول: ما اشتهر من أن الشافعي وأحمد اجتمعا بشيبان الراعي .... ومن الثاني: قول الميموني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ثلاثة كتب ليس لها أصل: المغازي، والملاحم، والتفاسير، قال الخطيب في جامعه: وهذا محمول .... ".

قلت: وبهذا يتبيّن أن الأحاديث الواردة في التفسير والمغازي والملاحم ليست كما يظن الكثير أنها كلها لا أصل لها، وأنها لا تصح، نعم الكثير منها موقوف على الصحابة أو التابعين، وهذا لا يعني عدم صحتها، فالصحابة إنما تعلموا من النبيّ صلى الله عليه وسلم، والتابعون تعلموا من الصحابة، والكثير من أحاديث المغازي مرسلة؛ لأن الإرسال كان شائعاً في عصر التابعين، وبخاصة عند الشاميين وهم من أعلم الناس بالمغازي، فلو صحت هذه المراسيل لكفى مع قرائن أخرى يعلمها أهل الشأن كأن يكون ما ينقل ليس بمنكر ولا يخالف أصول الدين وغير ذلك.

وقصد من قال بأن الكثير من التفسير لم يصح، أي مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أما صحته موقوفاً فلا نزاع في كثير منه، وكما قلنا فإن هذه التفسيرات إن لم يكن الصحابة أخذوها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم أدرى الناس بالتفسير؛ لأنهم عاشوا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم وعايشوا التنزيل والوحي، فما صحّ عنهم فلا يعدل عنه إلا إذا اختلف بعضهم في تفسير شيء، وصح عنهما، فعندها نلجأ إلى الترجيح بالقرائن.

ومن أمثلة ما صح أنه موقوف على التابعي ولم يصح رفعه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، ما أخرجه ابن حبّان في ((المجروحين)) (2/ 160) عن عبد الرزاق بن عمر البَزِيعي عن ابن المبارك عن شعبة عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى} ولهم فيها أزواج مطهرة {قال: ((من الحيضة والمخاط والنّخامة)).

قال ابن حبان: "وهذا قول قتادة رفعه ـ أي عبد الرزاق هذا رفعه ـ لا أصل له من كلام النبيّ صلى الله عليه وسلم".

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٦٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٦٨٥