مثله كما قال ابن هرمة «1»:
وإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زندا شحاحا
كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا
ففصل عنها قاصدا قصد نيسابور، في جماهير أصحابه ممن ضرستهم وقائع الحروب، ونجذتهم «2» قوارع الخطوب، وكوتهم صروف الأيام بمياسمها، وداستهم أحداث الليالي بمناسمها «3». وأفرط «4» أبا علي بن أبي القاسم المعروف بالفقيه على مقدمته إلى إسفرايين وبها بعض قواد بكتوزون، فالتقيا هناك على حومة الحرب، وتساقيا كؤوس الطعن والضرب. وتداركت الأمداد على أبي علي، لقرب الخطى بينه وبين صاحبه فجفل عنه أصحاب بكتوزون منهزمين إلى نيسابور، وقد اقتسموا بين جرح وكسر، وقتل وأسر.
وسار أبو القاسم سير السحاب تحثه ريح الجنوب، حتى أناخ بظاهر نيسابور مستطيلا بشوكة رجاله، وشكة أبطاله، فأرسل إليه بكتوزون يعلمه أن الحروب سجال، وحسن الظن بعواقبها محال، وأن في قرع [85 ب] باب البغي تعرضا للبلاء، واستئذانا على سوء القضاء، وإنما يصبر على الكفاح من لم يجد وجها للصلح والصلاح. فأما من كان في فسحة من الرأي وندحة «5» من الاختيار، فإنه ينفس بنفسه «6» عن التغرير بها في مباشرة القتال، ومساورة الأبطال، ومغامسة الأهوال. وإن الرأي له أن يعدل إلى قهستان