ويقول أيضاً « ولو قلتُ : إني قد طالعتُ عشرين ألف مجلد كان أكثر ، وأنا بعد في الطلب » وعشرون ألف مجلد ، صفحات المجلد الواحد في المتوسط ( 300 ) ثلاثمائة صفحة ، فيكون مقدار ما قرأ ستة ملايين صفحة . صيد الخاطر ( 375 – 376 ) .
ويقول أيضاً مبيناً كراهية تضييع وقته في غير فائدة ، وأنه يعزّ عليه أن يترك من يطرق عليه بابه فلا يجلس معه « ثم أعددتُ أعمالاً لا تمنع من المحادثة ، لأوقات لقائهم لئلاً يمضي الزمان فارغاً .
فجعلت من الاستعداد للقائهم قطع الكاغد وبري الأقلام وحزم الدفاتر ، فإن هذه الأشياء لابد منها ولا تحتاج إلى فكرة وحضور قلب ، فأرصدتها لأوقات زيارتهم ، لئلا يضيع شيء من وقتي » صيد الخاطر ( 206 – 207 ) .
ومن عجب ما يُذكر عن ابن النفيس « أول من اكتشف الدورة الدموية الصغرى ، وأول من أشار إلى الحويصلات الرئوية والشرايين التاجية وكان في العلاج أعظم من الحسين بن عبد الله الرئيس ابن سينا» أنه إذا أراد التصنيف ، توضع له الأقلام مبرية ، ويدير وجهه إلى الحائط ، ويأخذ في التصنيف إملاءً من خاطره ، ويكتب مثل السيل إذا انحدر ، فإذا كلَّ القلم وحفي ، رمى به وتناول غيره ، لئلا يضيع عليه الزمان في بري القلم .. . طبقات الشافعية ( 8/305 ) قال الوزير بن هبيرة :
والوقت أنفس ما عُنيت بحفظه * وأراه أسهل ما عليك يضيعُ
ذيل طبقات الحنابلة ( 1/281 ) السوانح ( 27 – 39 ) .
2- من شرف الزمان أن العاقل يحرص على اغتنامه إلى حال النزع والذَّماء – النَّفَس الأخير - : قالr« إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة ، فإن استطاع ألاّ يقوم حتى يغرسها فليغرسها » حم . عن أنس مرفوعاً وهو صحيح. الصحيحة ( 1/11 ) برقم ( 9 ) فلا يعيش لحظة بغير عمل .
وقال المناوي « إن كسرى خرج يوماً يتصيد فوجد شيخاً كبيراً ، يغرس شجر الزيتون ، فوقف عليه ، وقال له : يا هذا ، أنت شيخ هرم ، والزيتون لا يُثمر إلا بعد ثلاثين سنة فلِمَ تغرسه ! فقال : أيها الملك : زرع لنا من قبلنا فأكلنا ، فنحن نزرع لمن بعدنا فيأكل . فيض القدير ( 3/31 ) .
وقيل لابن المبارك : إلى متى تطلب العلم ؟ قال : حتى الممات إن شاء الله . جامع بيان العلم ( 1/96 ) .
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم « منهومان لا يشبعان : منهوم في العلم لا يشبع منه ، ومنهوم في الدنيا لا يشبع منها » ك وصححه ووافقه الذهبي عن أنس مرفوعاً وهو صحيح المشكاة ( 1/86 ) برقم ( 260 ) السوانح ( 40 – 42 ) .
3- الاشتغال بالندم على الوقت الفائت تضييع للوقت الحاضر
يقول الحسن البصري : « ما من يوم ينشق فجره ، إلا وينادي : يا ابن آدم ، أنا خلق جديد ، وعلى عملك شهيد ، فتزود مني ، فإني إذا مضيتُ لا أعود إلى يوم القيامة » السوانح ( 43 – 45 ) .
4 – التسويف عجز وكسل :
ما أعظم وصية ذلك الرجل ، لما قيل له : أوصنا ، فقال : احذروا « سوف » فإنّ يوم العاجزين غد .
وقال ابن الجوزي : « وإياك والتسويف ، فإنه أكبر جنود إبليس » صيد الخاطر ( 179 ) .
ومن ذا الذي يضمن غده ؟ وإن كان له غد ، أيا من معوقات نوازله ! السوانح ( 46 – 48 ) .
5- اعتقاد التفرغ من الشواغل في مستقبل الأيام : وهم وسراب .
وهذا ليس بصحيح ، أن المستقبل سوف يصفو من المكدَّرات والعوائق ، والوقع أنه : كلما كبرت سنك ، كبرت مسؤلياتك ، وزادت علاقاتك ، وضاقت أوقاتك ، ونقصت طاقاتك ، فالوقت في الكبر أضيق ، والجسم فيه أضعف ، والصحة فيه أقل ، والنشاط فيه أدنى، والواجبات أكثر من الأوقات ! فبادر ساعات العمر وهي سانحة ، واحذر الأماني والأحلام ، فإنها لا تصنع حاضراً ولا تبني مستقبلاً ، قال علي بن أبي طالب وهو يوصي ابن له « إياك والاتكال على المُنى ، فإنها بضائع النوكى » الحمقى .
وقال الأحنف بن قيس : « كثرة الأماني من غرور الشيطان » .
وقال الشاعر :
إذا تمنيت بت الليل مغتبطاً * إن المنى رأس أموالِ المفاليس
بهجة المجالس ( 1/125 ) .
وما شأن هذا الذي يرى أن التفرغ من الشواغل في مستقبل الأيام آتٍ ، إلا كشأن ذلك الرجل الذي قال للإمام ابن سيرين : إني رأيت في منامي أني أسبح في غير ماء ، وأطير بغير جناج ! فما تفسير هذه الرؤيا ؟ فقال له :
أنت رجل كثير الأماني والأحلام . السوانح ( 49 – 50 ) .
6- إنما تضيع الأزمان بصحبة البطالين
إنه لا أعدم لقيمة الزمن من مصاحبة أهل التبطل والتعطل ، فهم من أضيع الناس لزمن ، وأكثرهم تعطيلاً لعقل ، وأسوأ الناس لصاحب ، وأهدرهم لطاقة .
لا يعرف العمل سبيله إليهم ، ولا الجد محلاً فيهم ، ولا المعالي مكاناً في نفوسهم ، فحذار من مجالستهم والاختلاط بهم ، فإن طبعك يسرق منهم وأنت لا تدري .
إن صحبة هؤلاء العلماء ، تعلم منافسة الزمان ، وصحبة البطالين تعلم تضييع الزمان .
قال ابن مسعود : « اعتبروا الرجل بمن يصاحب ، فإنما يصاحب الرجل من هو مثله » هب .
ورحم الله ابن عقيل يوم أن قال : « .. فما خالطت لعاباً قط ، ولا عاشرت إلاّ أمثالي من طلبة العلم » المنتظم ( 9/213 ) السوانح ( 51 – 52 ) .
7- إنما تكمل العقول بترك الفضول
من عرف قيمة الزمان لا يكون إلاّ صاحب قصد واعتدال في أموره كلها ، فلا يرهق نفسه بما لا مصلحة له فيه .
يقول الحسن البصري : إياكم وكثرة الأشغال ، فإنه من فتح على نفسه باب شغل من الدنيا ، فتح الله عليه أكثر من ذلك » وكيع وابن المبارك في الزهد وهو ضعيف. الزهد لوكيع ( 2/643 ) برقم ( 361 ) .
ولا يتوسع في المطعم ، فهو يعلم أنه سبب للنوم ، والشبع يعمي القلب ويهزل البدن ويضعفه .
فتراه لا يتناول منه إلاّ حاجته التي تقيم صلبه ، ولذا قالr: « المؤمن يأكل في معىً واحد ، والكافر يأكل في سبعة أمعاء » بخ . عن ابن عمر مرفوعاً الفتح ( 9/536 ) برقم ( 5393 ) .
وما أعجب سهل بن عبد الله التستري ، لما أتاه الرجل وسأله ، فقال : الرجل يأكل في اليوم أكله ؟ قال : أكل الصديقين ، قيل له : فأكلتين ؟ قال : أكل المؤمنين ، قيل له : فثلاث أكلات ؟ فقال : قل لأهله يبنوا له معلفاً . الفوائد ( 315 ) وهو يدري أن الزينة مباحة ، بل هي مطلوبة ، ولكن المبالغة فيها ، ستكون على حساب الزمن ، ولذلك نجد النبيr يدعو إلى الاقتصاد في الزينة والاعتدال في التجمل ، وفي الحديث « إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن كثير من الإرفاه ، قلنا : وما الإرفاه ؟ قال : الترجل كل يوم » ن واللفظ له وغيره عن عبد الله بن ... مرفوعاً وهو صحيح. الصحيحة ( 2/3 ) برقم ( 502 )
وهكذا هو في زيارته لا يتعدى مقصدها ، لحديث « من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه » ت . عن أبي هريرة مرفوعاً وهو حسن. الترغيب والترهيب ( 3/521 ) برقم ( 4247 ) .
وهو في قوله لا يتجاوز النافع الخير المحتاج إليه ، وفي الحديث : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت )
بخ عن أبي هريرة مرفوعاً . "الفتح" (11/308) برقم (6475)
وهو في صلاته ودعائه يكون مقتصداً ، وقد قيل لابن عمر : لو دعوت لنا بدعوات ، فقال : "اللهم اهدنا وعافنا وارزقنا" فقال له رجل : لو زدتنا يا أبا عبد الرحمن ؟ فقال : أعوذ بالله من الإسهاب .
"بهجة المجالس" (1/60) ، فالتوسع في الدعاء من الفضول "السوانح" (53-56)
8- ترويح النفس بقدره ووجهه كسب الزمان ، والقلب إذا كلَّ عمي :