تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن ظاهرة (الولاء) الحياتية مردفة ومقترنة بظاهرة أخرى ثانية يمكن أن نطلق عليها: ظاهرة (الحركة). وأراها كامنة في (القدر) الرباني. فهذه الحياة ليست ساكنة، وإنما هي سائرة وليس سيرها هذا بالعشوائي التصادفي، وإنما هي متحركة بحركة هادفة. وهذا القدر لا يحكم مفاصل الحياة الكبرى فقط، وإنما هو مترجم بشكل (رقابة ربانية) دائمة على كل حركة وسكنة في الحياة. ويفترض في كل مسلم أن يؤمن بذلك، ولكن هناك فرق بين إيمان راسخ تؤيده شواهد عيانية يمر بها المسلم المنتبه لما يدور حوله، الرابط للأحداث بهذه الرقابة الربانية، وبين إيمان عام لا يسنده تفكر.

وهذا النوع من الإيمان تنطق بها أحوال العبد في الساعات التي تلي فعله للحسنة أو السيئة، كما كان بعض السلف يقول : إني لأعرف طاعتي من معصيتي من خلق دابتي. أي يأتيه الثواب أو العقاب معجلاً في الساعة نفسها، غير ما يأتيه من ذلك في بقية حياته أو في الآخرة.

النهاية يحتكرها المؤمن والمصلح والمظلوم

ومن تام هذا الفهم لهذه الأمثلة أن نفهم ما هو أكبر منها مما يجرى على وتيرتها في حياة الأمم وأجيال المسلمين، فإن الموازين الإيمانية لا تقتصر صحتها على المعنى الوجداني فيها، وهو ما يسبق إلى ذهن المستعجل في فهم الإيمان، وإنما تتعداه إلى معنى التأثير الفعلي في الحياة

فمن الموازين مثلاً: (أن الكاذب لابد أن يفتضح). وعلينا كمؤمنين أن ننتظر ساعة يفتضح فيها من يكذب ولابد أن ننتظرها كما ننتظر أي حدث مادي، كشروق الشمس.

ومن الموازين: ﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ﴾يونس81.

ومنها: ﴿ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴾يوسف52.

ومنها: أن الخطيئة الأولى تجلب ثانية، والثانية تجلب ثالثة، عقوبة من الله، حتى يغلق القلب على ظلمة.

ومنها: التوفيق الذي يحيط المهتدي والصادق وفق ميزان: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ ﴾محمد17.

وكل هذه الموازين نتداولها وكأننا ننتظر الآخرة ليحيق المكر السيء بأهله ويثاب المؤمن، وهذا جزء من الحق، وجزؤه الآخر هو الاعتقاد بأن الحياة البشرية الدنيا محكومة بهذه الموازين جزماً، ولكن لا يرى بعضهم آثارها لأنها لا تظهر دائماً بسرعة، بل قد تمتد لفترة زمنية لتظهر، فينسى الرابط بين الفعل والعقوبة أو الثواب. فكما أن النظرة الفلكية الأولى لم تفصح عن وجود لبنات بناء الكون حتى توسعت الرقعة المدروسة وتضاعفت مساحة العين التلسكوبية الباصرة، فكذلك نحتاج امتداداً زمنياً ومكانياً لتكون المادة المختبرية لبرهان صدق الموازين الإيمانية كافية، وبدلاً من أن ندرس آثارها على مدى سنوات: ندرسها على مدى أجيال أحياناً، مع اعتقادنا بأن العقوبة قد تأتي في اللحظة نفسها أحياناً، مثل مئات قصص يرويها الثقات على مدى الأجيال عن شاهد زور حلف بالقرآن أمام القضاء كاذباً، فعمي فوراً، أو مغتاب يغتاب فيكوى لسانه بلقمة حارة فوراً، وأشباه ذلك.

فدراسة آثار موازين الإيمان على فترة ممتدة وأجيال ترينا بوضوح نتائج مشخصة مرئية يؤول فيها أمر أهل الباطل إلى تراجع وأمر أهل الحق إلى تمكين، وفى القرآن الكريم شواهد، وفى كتب التاريخ، وفى مرويات المعمرين.

ولمحمود شيت خطاب- وهو مسلم وافر الصدق- كتاب عنوانه :(عدالة السماء) يروى فيه بعض قصص مدارها على هذه الموازين، حتى أن قاتلاً قتل قتيلاً ورماه في حفرة، وبعد دهر طويل أراد رجل ثالث قتل القاتل، فهرب منه، وظل يركض ساعة يتنقل من مخبأ إلى مخبأ، ثم لم يجد في النهاية ما يواريه إلا الحفرة التي رمى فيها ضحيته القديمة، فجاء الآخر فقتله فيها!!

وحدثني ثقة قال: إن جندياً تركياً انخذل عن وحدته يوم انسحاب الجيش العثماني من بغداد أمام ضغط الجيش البريطاني، ووقف هذا الجندي بباب جامع أبى حنيفة، فجاء شقي فسلبه ثم قتله ظلماً في وقفته بالباب، وبعد عشرين سنة تشاجر الشقي مع آخر فطعن، فهام على وجهه من حرارة الطعنة لا يدرى ما يفعل، وظل يهرول بلا وعي مئات الأمتار، حتى وصل باب الجامع فخر ميتاً في الموضع نفسه الذي قتل فيه التركي البريء.

ولو أننا فتحنا مثل هذا الموضوع في مجلس المعمرين في الحضر أو البدو، وفي بلاد العرب أو الهند أو الصين، لأقسموا لنا على صدق عشرات من مثل هذه القصص رأوها بأنفسهم رأى العين.

ومن أعجب الأمور أن العقوبة قد لا تظهر في الفاعل وإنما في ولده، لحكمة ربانية، فقد حدثني أحمد جمال الحريري رحمه الله، المطوف بمكة، قال :

يا بني: كلنا قد استهجن سحل جثة الأمير عبد الإله صبيحة ثورة 14 تموز ببغداد، ولكن هل تظن أن ذلك جاء من غير مقدمة؟ قال : لقد رأيت أباه علياً صبيحة التاسع من شعبان بمكة يوم أعلنت الثورة العربية التي قادها لورنس يصعد إلى قلعة مكة التي ما زالت شاخصة حتى الآن، فأعطى الحامية العثمانية أماناً إذا سلمت بغير قتال، فسلموا ونزلوا بذاك الأمان وكرهوا القتال بمكة، فأطلق سراح الجنود، وكانوا أربعمائة، ووضع الحبال في أرجل ستة عشر ضابطاً وسحلهم أتباعه وهم أحياء، والغوغاء تركض وراءهم، فماتوا بعد بضع مئات أمتار، واستمروا يسحلونهم حتى بلغوا البطحاء التي بين مكة ومنى، وما أظن الذي حدث لعبد الإله إلا عقوبة مثلية لتلك السيئة !!

وبقابل هذا : هل رأيت أحداً سار على سنن العدل ثم ساءت أموره؟ لم تر ذلك في فرد أو حكومة.

وانظر للظالم : وسوء الذكر يلحقه حتى بعد مماته، وأولاد المرابى أول من يلعنه.

وكم من رهط مؤمن عجز عن دفع ظلم يقع عليه، فينجيه الله ويبطش بالظالم، تصديقاً لميزان: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴾الحج38.

وهلاك الأمم حين يشيع المنكر وتنتشر المعاصي يشاهده المرء في المدن الخربة، ومدينة بومبي الفاسقة بجنوب إيطاليا محفوظة من يوم أهلكها بركان فيزوف قبل ألفى سنة، وقد تجولت بها ورأيت دنان الخمر وصور النساء العرايا كأنها رسمت أمس!

وهل ما حدث بالكويت من هزة اقتصادية بسبب سوق المناخ بعيد عن معنى عقوبة منطقة شاع بها الربا.

إن معيشتنا في أجواء الإعلام الرأسمالي المادي بدأت تنسينا هذه المعاني الإيمانية الأساسية مع الأسف، وهى من الحق الذي لا مراء فيه وإن أنكرها الذين لا يفهمون.

المرجع: صناعة الحياة-محمد أحمد الراشد.

==============

كيف يقضي أبناؤنا إجازة سعيدة؟

وأخيرًا جاءت الإجازة الصيفية ليتنفس الأبناء والآباء الصعداء بعد عناء عام دراسي حافل بالواجبات والامتحانات، ثم يأتي السؤال الذي يشغل الجميع: كيف يقضي أبناؤنا الإجازة الصيفية؟!.

بداية أيها المربي الكريم..

ينبغي أن تعلم أن الإجازة لا تعني الفوضى وتضييع الأوقات دون استفادة، وأن المتعة الحقيقية سيشعر بها الابن عندما تنتهي الإجازة ويجد نفسه قد حفظ قدرًا جيدًا من القرآن أو استمتع بقراءات مفيدة أو تعلم مهارة جديدة، وعليك أن تعلمه أيضًا أن وقت الفراغ نعمة يجب الاستفادة منها امتثالاً لأمر النبي- صلى الله عليه وسلم-: (اغتنم حمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك) (رواه الحاكم).

الوقت وأهميته في حياة المسلم · الصفحة ٣٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الوقت وأهميته في حياة المسلمص ٣٣٥