لقد كان من جملة هديه صلى الله عليه وسلم مؤانسته لصحبه ، وممازحته لإخوانه ، وقد قال الصحابة : يا رسول الله ، إنك تداعبنا ؟ قال : « إني لا أقول إلا حقا » ت عن أبي هريرة مرفوعاً وهو صحيح. "الصحيحة" (4/304) رقم (726) . وكذا كان مداعباً لأهله ، وفي الحديث : « أن عائشة كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر ، قالت : فسابقته فسبقته على رجليّ ، فلما حملتُ اللحم ، سابقته فسبقني ، فقال : هذه بتلك السبقة » د عن عائشة مرفوعا ، وهو صحيح (1/204) برقم (131) بل إن النبي صلى الله عليه وسلم أدرك حقيقة النفس البشرية ، فمكنها من حقها في الراحة والترويح بأضرب من اللهو المباح . قالت عائشة رضي الله عنها : « رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً على باب حجرتي والحبشة يلعبون في المسجد ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه أنظر إلى لعبهم» . بخ عن عائشة "الفتح" (1/549) رقم (454) وقال أبو الدرداء رضي الله عنه : « إني لأستجمُّ لقلبي بالشيء من اللهو ، ليكون أقوى لي على الحق » الأدرعي . وقال ابن مسعود : « لا تُكره قلبك ، إن القلب إذا أُكره عمي » "جامع بيان العلم" (1/104) .
وإن الرياضة مصرف نافع ، فهي تحسّن الدورة الدموية ، وتزيد من نشاط الرئتين وتقوي القلب ، ولقد كان البخاري رياضيًّا ، وليس أي رياضي ، بل كان منافساً لغيره ، ومبدعاً في رياضة الرماية ، قال محمد بن أبي حاتم : « فما أعلم أني رأيته في طول ما صحبته أخطأ سهمه الهدف إلا مرتين ، وكان لا يسبق » طبقات الشافعية ( 2/10 ) .
قال ابن القيم : وأي عضو كثرت رياضته قوي ، فمن استكثر من الحفظ قويت حافظته ، ومن استكثر من الفكر قويت قوته المفكرة ، ولكل عضو رياضة تخصه ، فللصدر القراءة ، ورياضة السمع بسمع الأصوات ، وكذلك رياضة اللسان في الكلام ، ورياضة النفوس بالتعلم والتأدب ، ولا ريب أن الصلاة نفسها فيها من حفظ صحة البدن ، وكذلك قيام الليل من أنفع أسباب حفظ الصحة ، ومن أمنع الأمور لكثير من الأمراض المزمنة ، ومن أنشط شيء للبدن والروح والقلب . زاد المعاد ( 4/247 – 248 ) .
وكان ابن عباس رضي الله عنه « إذا كلّ من الكلام ، قال : هاتوا ديوان الشعراء » تذكرة السامع والمتكلم ( 79 )
ومن ذلك النقاش والمطارحة وقد قيل « مطارحة ساعة خير من تكرار شهر » تذكرة السامع والمتكلم ( 207 ) .
وقال الزهري : « إنما يُذهب العلم النسيان وترك المذاكرة » البداية والنهاية ( 9/359 ) .
وكل ذلك يجمعه قولهr« وإن لجسدك عليك حقاً » بخ . عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً. الفتح ( 4/217 ) برقم ( 1975 ) .
وهذا الترويح ، يكون بقدرٍ محكماً بالضوابط الشرعية ، وفي الحديث « .. ولكن يا حنظلة ، ساعة وساعة » م . عن حنظلة مرفوعاً شرح مسلم ( 17/71 ) برقم ( 2750 ) السوانح ( 57 – 59 ) الوقت ( 1/68 – 71 ، 81 – 82 ) .
9- دوام العطاء ولو كان قليلاً ، يكون منه ما يُعجز. السوانح ( 60 – 62 ) .
10- من شغل نفسه بغير المهم ، ضيّع المهم وفوّت الأهم :
قال أبو الفضل العباس بن الحسن « اعلم أن رأيك لا يتسع لكل شيء ، ففرغه للمهم ، وأنَّ مالك لا يغني الناس كلهم ، فخصّ به أهل الحق ، وأن كرامتك لا تطيق العامة ، فتوّج بها أهل الفضل ، وأن ليلك ونهارك لا يستوعبان حاجتك وإن دأبت فيهما فأحسن قسمتهما بين عملك ودعتك من ذلك .. » تاريخ بغداد ( 12/126 ) .
وأوصى المأمون بعض بنيه فقال : « اكتب أحسن ما تسمع ، واحفظ أحسن ما تكتب ، وحدِّث بأحسن ما تحفظ » تقييد العلم ( 141 ) السوانح ( 63 – 65 ) .
11- لكل وقت ما يملؤه من العمل ، فيحرص الإنسان على أعمار وقته كله بالطاعة من حين أن يستيقظ إلى أن ينام .
واعلم أنّ كل ظرف مملوء بواجبه ومطالبه ، فالعمل إذا كان في غير وقته الموضوع له ، لم يقع موقعه ولم يثمر ثمرته ، وجاء في وصية أبي بكر لعمر رضي الله عنهما حينما استخلفه ، قوله « إن لله حقاً بالنهار لا يقبله بالليل ، ولله في الليل حق لا يقبله بالنهار » مناقب عمر ( 56 – 57 ) .
وإنّ مما يندى له الجبين ، أنْ ترى أمتنا ، دائماً أعمالها وقراراتها تأتي متأخرة عن أوقاتها الموضوعة لها ، ضائعة مضيِّعة ، ولا أريد بياناً ، فبلاغتنا في ذلك واضحة ! فوجب أن تكون أقوالنا وأعمالنا مؤقته ، كل في وقته ، حتى لا تجتمع أعمال أيام في يوم ، ومن هنا نضيع ونهيم .
وقال بعض أخوة عمر بن عبد العزيز لعمر : يا أمير المؤمنين ، لو ركبت وتروّحت ، قال : فمن يجزي عني عمل ذلك اليوم ؟ قال : تجزيه من الغد . قال : فدحني عمل يوم واحد ، فكيف إذا اجتمع عليّ عمل يومين » سيرة عمر بن عبد العزيز ( 55 ) السوانح ( 66 – 67 ) .
12- لله في أيام دهرنا نفحات ، فالموفَّق من تعرّض لها :
قال كعب الأحبار : « إن الله تبارك وتعالى اختار ساعات الليل والنهار ، فجعل منهن الصلوات المكتوبة ، واختار الأيام ، فجعل منها الجمعة ، واختار منها الشهور ، فجعل منها رمضان ، واختار الليالي ، فجعل منها ليلة القدر ، واختار البقاع فجعل منها المساجد » هناد بن السري الزهد ( 2/473 ) برقم ( 959 ) .
فاحرص على أن تلقى ربك ولو في جوف الليل الآخر وفي الحديث « ينزل الله تبارك وتعالى حين يبقى ثلث الليل الآخر ، كل ليلة إلى السماء الدنيا ، فيقول : من يسألني فأعطيه ، من يدعوني فأستجيب له من يستغفرني فأغفر له » بخ . عن أبي هريرة مرفوعاً الفتح ( 3/29 ) برقم ( 1145 ) .
وفي يوم الجمعة نفحة ، الموفق من فاز بها ، وفي الحديث « التمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد صلاة العصر إلى غيبوبة الشمس » ت . عن أنس مرفوعاً وهو حسن. وفي الآخر .. فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر . د – ن عن جابر مرفوعاً وهو صحيح. الترغيب ( 1/553 ) برقم ( 1039 ، 555 ) برقم ( 1043 ) .
وما أعظم يوم عرفة ، وفي الحديث « ... وما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة ، ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا ، فيباهي بأهل الأرض أهل السماء ، فيقول : انظروا إلى عبادي جاؤوني شعثاً غبراً ضاحين ، جاؤوا من كل فج عميق ، يرجون رحمتي ولم يروا عذابي ، فلم يُرَ يوم أكثر عتيقاً من النار من يوم عرفة » . أبو يعلى والبزار عن جابر مرفوعاً وهو حسن. مسند أبي يعلى ( 4/69 ) برقم ( 2090 ) .
فاحرص على استغلال أوقاتك بهذه الساعات الفاضلات . السوانح ( 68 – 71 ) .
13- من طوى منازل في منازل أوشك أن يفوته ما جدَّ لأجله :
إنّ من أكبر أدواء المسلمين ، اليوم حركات وأفرادا ، علماء وقادة ، غياب سمة التوازن القائمة على مراعاة الأهم فالمهم ، فترى بروزاً في جانب ، وقصوراً في آخر ، ترى إقبالاً على علم ومعارف ، مع تفويت لغيرها يكون فيه رقي الأمة ، بل وجودها وكرامتها فيه .
فاجعل أوقاتك مُوزَّعة لكل مهمة ، ولكل صنعة ، ولكل علم .
قال أبو هريرة رضي الله عنه : « جزأت الليل ثلاثة أجزاء : ثلثاً أصلي ، وثلثاً أنام ، وثلثاً أذكر فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم » الخطيب البغدادي. الجامع لأخلاق الراوي ( 2/319 – 320 ) .
بل إن نبينا محمد r لما قال له أبو الدرداء تلك الحادثة التي جرت له مع سلمان ، وفيها : إن لربك عليك حقاً ، ولنفسك عليك حقاً ، ولأهلك عليك حقاً ، فأعط كل ذي حق حقه » قال : صدق سلمان » بخ عن أبي جحيفة مرفوعاً. الفتح ( 4/209 ) برقم ( 1968 ) .