ومن ناحية أخرى، فقد قام >الخولي< في التفسير الأدبي للقرآن بتوظيف منتجات الثقافة الغربية وبخاصة تراث التأويل ـ أو >الهرومنيوطيقا< ـ وذلك من أجل إخضاع النص للعقل، فيرى أن >الشخص الذي يفسر نصاً يلون هذا النص ـ ولا سيما النص الأدبي ـ بتفسيره له، وفهمه إيَّاه، إذ إن المتفهم للعبارة هو الذي يحدد بشخصيته المستوى الفكري لها، وهو الذي يعين الأفق العقلي الذي يمتد إليها معناها، ومرماها، يفعل ذلك كله وفق مستواه الفكري، وعلى سعة أفقه العقلي، ولا تمكنه مجاوزته أبداً، فلن يفهم من النص إلا ما يرقى إليه فكره، ويمتد إليه عقله، وبمقدار هذا يتحكم في النص، ويحدد بيانه<(16)، وهذا التفسير يرتكز عند >الخولي< على اعتبار الأهمية للجانب اللغوي، والجانب النفسي لمبدع النص الأصلي، وفي هذا يبدو >الخولي< متأثراً بـ>شيللرماخر< فيلسوف ألماني (1768 ـ 1834م) الذي تقوم رؤيته التأويلية على أساس أن النص عبارة عن وسيط لغوي ينقل فكر المؤلف إلى القارئ، وبالتالي فهو يشير ـ في جانبه اللغوي ـ ـ إلى اللغة بكاملها، ويشير ـ في جانبه النفسي ـ إلى الفكر الذاتي لمبدعه، والعلاقة بين الجانبين ـ عند >شيللرماخر< ـ علاقة جدلية، وكلما تقدم النص في الزمن صار غامضاً بالنسبة لنا، وصرنا أقرب إلى سوء الفهم لا الفهم، وعلى ذلك لابد من قيام >علم< أو >فن< يعصمنا من سوء الفهم ويجعلنا أقرب إلى الفهم، وينطلق >شيللرماخر< لوضع قواعد الفهم من تصوره لجانبي النص اللغوي والنفسي، ويحتاج المفسر للنفاذ إلى معنى النص إلى موهبتين، الموهبة اللغوية، والقدرة على النفاذ إلى الطبيعة البشرية، فالموهبة اللغوية، وحدها لا تكفي لأن الإنسان لا يمكن أن يعرف الإطار اللامحدود للغة، كما أن الموهبة في النفاذ إلى الطبيعة البشرية لا تكفي لأنها مستحيلة الكمال، لذلك لابد من الاعتماد على الجانبين(17) ومن هنا يتضح مدى الأثر البارز لفن التأويل على المنهج الأدبي في التفسير عند >أمين الخولي<، وذلك على الرغم من عدم ورود أي ذكر عن هذا التراث التأويلي الغربي في مؤلفات >أمين الخولي<، إلا أن هذا الأثر يبدو مبرراً حين نعرف أن >أمين الخولي< قد أقام في أوروبا في الفترة من (1923 ـ 1927)، وعاش في إيطاليا وألمانيا، كما أنه كان يجيد اللغتين الألمانية والإيطالية، ومن الطبيعي أن يطلع على جهود الفيلسوف الألماني >شيللرماخر<، الذي أرسى دعائم التفسير الأدبي للنصوص المقدسة والأدبية معاً•
والواقع أن التفسير الأدبي للقرآن عند >الخولي< وتلاميذه لم يقدم لنا تفسيراً كاملاً للقرآن الكريم، بل كانت محاولات جزئية ـ له ولتلاميذه ـ حيث يتم اختيار موضوعات مثل المال، والصيام، والسلام، والفن القصصي، والقادة والرسل إلخ••• مع التركيز على عدم الخوض في الموضوعات المبهمة في القرآن ـ باستثناء الفن القصصي في القرآن لـ>محمد أحمد خلف الله< ـ وبالمقابل التركيز على الأبعاد الاجتماعية والنفسية في القرآن، ولكن على الرغم من المحاولات الجزئية في التفسير الأدبي للقرآن >إلا أن التفسير القرآني حديثاً لم يشهد ما خرج به عن حده وطبيعته، إلا من أشهر محاولات الاتجاه الأدبي تمسكاً والتزاماً، وعصمة بالموضوعية، ولم يشهد تاريخ التفسير على طوله ما يزلزل يقين الاطمئنان إلى معطيات النص القرآني مثلما شهد من هذه المحاولة<(18)، وقد يكون السبب في ذلك أن التفسير الأدبي في القرآن يعطي الأولية للنقل على العقل، وقد تجاهلت جهود المدارس الفكرية الإسلامية ـ مثل المعتزلة ـ التي تعطي الأولية للعقل على النقل، ولعل هذا ما يكشف لنا بوضوح عن ضيق مساحة العقل في العقيدة الأشعرية السائدة في جعلها العقل مجرد أداة تدور في رحى النقل•
الهوامش
1 ـ >أمين الخولي< في رمضان ص 21•
2 ـ >أمين الخولي< مناهج تجديد ص 122، وأيضاً دراسات إسلامية، دار الكتب المصرية 1996، ص 31•
3 ـ >أمين الخولي<، مناهج تجديد، ص 322، وأيضاً دراسات إسلامية ص 33•
4 ـ >أمين الخولي< منهاج تجديد ص 322، وأيضاً دراسات الإسلامية ص 33•
5 ـ محمد إبراهيم شريف اتجاهات التجديد في تفسير القرآن في مصر ـ دار التراث ـ القاهرة ط1، 1982م، ص499•
7 ـ >أمين الخولي<، مناهج تجديد، ص 632، وأيضاً دراسات إسلامية ص42•
8 ـ المرجع نفسه ص 37ـ، وأيضاً المرجع نفسه ص 43•
9 ـ >أمين الخولي<، مناهج تجديد، ص154•
10 ـ يمنى طريف الخولي، >أمين الخولي< والأبعاد الفلسفية للتجديد، دار المعارف ـ مصر 2000، ص 73•
11 ـ >أمين الخولي< مناهج تجديد ص 154•
12 ـ المرجع نفسه ص 240، وأيضاً دراسات إسلامية ص46•
13 ـ محمد إبراهيم شريف، المرجع السابق ص 558•
14 ـ محمد إبراهيم شريف، المرجع السابق، ص 509•
15 ـ >أمين الخولي< مناهج تجديد ص 226، وأيضاً دراسات إسلامية 36•
16 ـ المرجع نفسه ص 223 ـ 224 وأيضاً المرجع نفسه 34•
17 ـ نصر حامد أبوزيد، إشكاليات القراءة وآليات التأويل الهيئة العامة لقصور الثقافة 1991 ص 20•
18 ـ محمد إبراهيم شريف، المرجع السابق ص 517•
=============
قراءة في كتاب: أصول البرمجة الزمنية في الفكر الإسلامي
محمود محمد الناكوع
اذا كان الكتاب يقرأ من عنوانه فان عنوان كتاب الدكتور محمد بن موسي باباعمي (أصول البرمجة الزمنية في الفكر الإسلامي) يعبر تعبيرا واضحا عن مضمون الكتاب، وهو اطروحة الدكتوراه التي تميزت بالجديد المفيد، فالموضوع من اهم المباحث ذات الصلة بحياة الانسان، وهي حياة متغيرة، بل سريعة التغير،تارة بصورة ايجابية، وتارة أخري بصورة سلبية. والزمن عنصر اساسي في تنظيم تلك الحياة ومتغيراتها، فمن تمكن من توظيف وقته توظيفا صحيحا وبرمجته برمجة سليمة سيحقق نتائج صحيحة، ومن تجاهل او جهل او تغافل عن قيمة الوقت وبرمجته فقد خسر الكثير، اذن نحن امام بحث في غاية الأهمية . وقد ظلت شعوب العالم الإسلامي بل وجامعاته ومراكز بحوثه لا تهتم كثيرا بمسألة البرمجة وما تنطوي عليه من ابعاد ايجابية. وقرأنا الكثير عن فشل مشروعات اقتصادية، وتعليمية، وسياسية وغيرها، بسبب غياب البرمجة الصحيحة واهم عناصرها الزمن، فجاء هذا الباحث الجزائري ليضيف مادة اكاديمية مهمة لأن المجتمعات الإسلامية في حاجة الي من يدفعها نحو سبل النهوض والتقدم في جميع الميادين، ولا شك ان البرمجة بطرقها الحديثة التي وضعها الغرب وطورها، تعتبر احد أسباب النجاح والتقدم. وأثناء قراءتي للكتاب ظل يذكرني بعبقرية وكتابات المرحوم الأستاذ مالك بن نبي المفكر الجزائري الذي أعطي للوقت في كتبه ومحاضراته مذاقا ثقافيا فريدا وخاصة في كتابه (شروط النهضة) وفيه يقول: (إن العملة الذهبية يمكن ان تضيع وان يجدها المرء بعد ضياعها، لكن لا تستطيع اي قوة في العالم ان تحطم دقيقة ولا ان تستعيدها اذا مضت..... نحن في العالم الإسلامي نعرف شيئا يسمي الوقت، ولكنه الوقت الذي ينتهي الي عدم، لأننا لا ندرك معناه، ولا تجزئته الفنية، لأننا لا ندرك قيمة أجزائه من ساعة ودقيقة وثانية، مع ان فلكيا عربيا مسلما هو ابو الحسن المراكشي يعتبر أول من أدرك هذه الفكرة الوثيقة الصلة بنهضة العلم المادي في عصرنا (ص 140).