تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جاء رجل إلى أبي حنيفة ، فبادره سائلاً « ما تقول في رجل لا يرجو الجنة ولا يخاف النار ، ولا يخاف الله تعالى ، ويأكل الميتة ، ويصلي بلا ركوع ولا سجود ، ويشهد بما لا يرى ، ويبغض الحق ، ويحب الفتنة ويفر عن الرحمة ، ويصدق اليهود والنصارى . فالتفت أبو حنيفة على أصحابه فقال لهم : ما تقولون ؟ فقالوا : إنها صفة كافر . فقال : بل هو من أولياء الله ، فهو يرجو رب الجنة ويخاف رب النار ، ولا يخاف الله تعالى أن يجور عليه ، ويأكل ميتة السمك ، ويصلي صلاة الجنازة أو على النبي صلى الله عليه وسلم ، ومعنى شهادته بما لا يرى أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، ويبغض الحق وهو الموت ليطيع الله ، ويحب الفتنة وهو المال والولد ، ويفر عن الرحمة وهي المطر ، ويصدق اليهود في چ ? ? ? ? ? پ ? چ البقرة: 113 ويصدق النصارى في چ پ پ پ پ ? ? ? ? چ البقرة: 113. الخيرات الحسان ( 63 ) .

ومن بالغ أهمية القراءة قول أحمد : « الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب ، لأن الرجل يحتاج إلى الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين ، وحاجتة إلى العلم بعدد أنفاسه » تهذيب المدارج ( 2/770 ) .

وهو ابن المبارك يرسم خطاً للدعوة وللدعاة من بعده ، وهو التزود بالزاد الإيماني العلمي من خلال النظر في كتب الأقدمين ، وذلك لما افتقده بعض أصحابه من مجلسه ، فقيل له : مالك لا تجالسنا ، فقال « أنا أذهب فأجالس الصحابة والتابعين » صيد الخاطر ( 211 ) . وصايا ونصائح لطالب العلم ( 55 ) .

وهذه نماذج ، فيها الحرص الشديد على القراءة وتعلم العلم ، فهذا مصعب الزبيري يقرأ كتباً قد بال عليها الفأر ، ويقول : كنتُ أقرأ ما استبان لي منها وأدع مالا أعرفه . تذكرة الحفاظ ( 1/217 ) وهذا أبو داود يحافظ على كتبه ، ويجعل لها من ثوبه كماً واسعاً يجعلها فيه كما روى عنه ابن دارسة بقوله « كان لأبي داود كم واسع وكم ضيق فقيل له في ذلك ، فقال : الواسع للكتب ، والآخر لا يحتاج إليه » تذكرة الحفاظ ( 2/592 ) .

ونقول للأزواج ، لا تضجروا من كثرة شكاية النساء لكم على كثرة قراءتكم ، فقد أكثر الزهري من القراءة ، فقالت له زوجته : « والله إن هذه الكتب أشدّ عليّ من ثلاث ضرائر » . شذرات الذهب ( 1/63 ) .

وهذا الجد ابن تيمية ، كان إذا دخل الخلاء ، يقول لبعد الرحمن بن تيمية « اقرأ في هذا الكتاب وارفع صوتك حتى أسمع » روضة المحبين ونزهة المشتاقين ( 70 ) .

السبيل إلى محبة القراءة :

1. النظر بالقلب ، فيجب التركيز على الصفحة التي يقرؤها ، مع تفريغ القلب ، قال ابن تيمية : « وكذلك من نظر إلى الأشياء بغير قلب ، أو استمع إلى كلمات أهل العلم بغير قلب ، فإنه لا يعقل شيئاً ، فمدار الأمر على القلب ، وعند هذا تستبين الحكمة من قوله تعالى ? أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها ? الفتاوى ..

2. العمل بما يقرأ ، لأنه السبيل إلى تثبيته في القلب والعقل ، وبالتالي سبب في حب العلم .

3. قراءة ما تميل إليه النفس مع التدرج من فقه أو سيرة أو تفسير ، حتى إذا وطّن نفسه على حب القراءة وطلب العلم ، وواصل قراءته في فنٍ ما يختاره ، فهو لن يكل بإذن الله .

4. التنويع بالقراءة ، وذلك مراعاة للنفس ، وتكميلاً للشخصية ، وقد أدرك يحيى بن خالد هذا فقال لابنه وهو يوصيه بتنويع القراءة « عليك بكل نوع من العلم ، فإن المرء عدو ما جهل ، وأنا أكره أن تكون عدو شيء من العلم .. » أدب الدنيا والدين ( 47 ) .

5. معرفة همة علماء السلف ، وكيف كانوا يضحون من أجل الحصول على العلم ، يقول الرازي : « أول ما رحلت أقمت سبع سنين ، ومشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ ، ثم تركت العدد ، وخرجت من البحرين إلى مصر ماشياً ، ثم إلى الرملة ماشياً ثم إلى طرسوس ولي عشرون سنة » . تذكرة الحفاظ ( 2/567 ) . وروى المعافى بن زكريا عن بعض الثقات ، أنه كان بحضرة أبي جعفر الطبري قبل موته ، وتوفي بعد ساعة أو أقل منها ، فذكر له دعاء ، فاستدعى محبرة وصحيفة فكتبه ، فقيل له : أفي هذا الحال ؟ فقال : « ينبغي للإنسان ألاّ يدع اقتباس العلم حتى الممات » . كنوز الأجداد ( 123 ) وكان عبد الرحمن بن أبي حاتم أحرص من أبيه على طلب الحديث ، حتى قال عن والده : « ربما كان يأكل وأقرأ عليه ، ويمشي ، ويدخل الخلاء وأقرأ عليه ، ويدخل البيت في طلب شيء وأقرأ عليه » سير أعلام النبلاء ( 13/250 – 251 ) السوانح( 31 – 32 ) .

6. اختيار الوقت المناسب ، وهو من أقوى الأسباب المعينة على حب القراءة وطلب العلم . قال أحد السلف : « أجود الأوقات للحفظ الأسحار ، وللبحث الأبكار ، وللكتابة وسط النهار ، وللمطالعة والمذاكرة الليل » بالإضافة إلى اختيار المكان الأنسب ، قال أحد السلف : « وأجود أماكن الحفظ ، الغرف ، وكل موضع بعيد عن الملهيات ، وليس بمحمودٍ الحفظ بحضرة البنات والخضرة والأنهار ، وقوارع الطرق وضجيج الأصوات ، لأنها تمنع من خلو القلب غالباً » تذكرة السامع والمتكلم ( 72 )

7. الدعاء ، وهذا أولاً وأخيراً ، فهو عون المؤمن في مشاكله المادية وغيرها . قال ابن تيمية : « وكما أن لله ملائكة موكله بالسحاب والمطر فله ملائكة موكلة بالهدى والعلم ، هذا رزق القلوب وقوتها وهذا رزق الأجساد وقوتها » الفتاوى ( 4/41 ) الوقت ( 1/39 – 59 ) .

ونختم الحديث بقواعد عامة في قيمة الزمن ، فيها العوائق والعوامل والكيفية ، ينبغي على الإنسان أن يعيها ويفهمها حق فهمها .

قواعد في قيمة الزمن :

1- الزمن هو أجل وأشرف ما يحصّله العقلاء بإجماع العلماء .

يقول الحسن البصري : « أدركت أقواماً كل أحدهم أشح على عمره منه على درهمه » شرح السنة ( 14/225 ) .

يقول المناوي : « من أمضى يومه في غير حق قضاه ، أو فرض أداه ، أو مجد أثله ، أو حمد حصله ، أو خير أسسه ، أو علم اقتبسه ، فقد عق يومه وظلم نفسه » فيض القدير ( 6/288 ) .

ومن إدراكهم لذلك ، ما رواه الخطيب البغدادي « أن أبا جعفر الطبري قال لأصحابه : أتنشطون لتفسير القرآن . قالوا : كم يكون قدره ؟ فقال : ثلاثون ألف ورقة ، فقالوا : هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه ! فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة . ثم قال : هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا ؟ قالوا : كم قدره ؟ فذكر نحواً مما ذكره في التفسير ، فأجابوه بمثل ذلك . فقال : « إنا لله ، ماتت الهمم ! ، ثم أملاه على نحو قدر التفسير » تاريخ بغداد ( 2/163 – 164 ) .

ويقول أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي « إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري ، حتى إذا تعطّل لساني عن مذاكرة ومناظرة ، وبصري عن مطالعة ، أعملتُ فكري في حال راحتي وأنا مستطرح ، فلا أنهض إلاّ وقد خطر لي ما أسطره ، وإني لأجد من حرصي على العلم وأنا في عشر الثمانين أشد مما كنتُ أجده وأنا ابن عشرين » المنتظم ( 9/214 ) .

ويقول أيضاً : « وأنا أقصِّر بغاية جهدي أوقات أكلي ، حتى أختار سفَّ الكعك وتحسيه بالماء على الخبز ، لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ توفراً على مطالعة ، أو تسطير فائدة لم أدركها » ذيل طبقات الحنابلة ( 1/177 ) .

وإنك لتجد ثمرة ذلك الاستغلال ، ما قاله عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي ، - على المنبر في آخر عمره - « كتبتُ بإصبعي هاتين ألفي مجلدة ، وتاب على يديّ مائة ألف ، وأسلم على يديّ عشرون ألف يهودي ونصراني » ذيل طبقات الحنابلة ( 1/410 ) .

الوقت وأهميته في حياة المسلم · الصفحة ٣٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الوقت وأهميته في حياة المسلمص ٣٠٨