قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ إن فيما ذكر من أمر السفن الجاريات في البحر بتقدير الله لدلالات وعلامات ظاهرة ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ أي كثير الصبر على البلوى، كثير الشكر على النعماء قال قُطرب: نعم العبد الصبار الشكور الذي إذا أعطي شكر، وإذا ابتُلي صبر.
34 - (أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ)
قوله: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ أي يهلكهن بالغرق بما كسبه أهلها من الذنوب والمعاصي - أو إن يشأ الله يبتلي المسافرين في البحر بإحدى بليتين: إما أن يسكن الريح فتركد السفن الجواري على متن البحر - وإما أن يرسل الريح عاصفة شديدة هوجاء فيهلكهن إغراقا بسبب ما كسبوا من الذنوب.
قوله: ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ أي ويصفح عن كثير من ذنوبهم - وقيل: يصفح عن كثير من أهلها بالتجاوز عن ذنوبهم فينجيهم من الغرق - وقراءة الجمهور بالجزم، عطفا على جواب الشرط - ومن قرأ (يعفو) بالرفع، فقد استأنف الكلام.
35 - (وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ)
قوله: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ أي ويعلمَ
المشركون الذين يخاصمون في دلائل الله وحججه على وحدانيته
وصدق ما أنزله إليهم أنه ليس لهم محيد ولا مهرب من عقاب الله وشديد بأسه
34.
36 - (فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)
قوله تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36)﴾ تتضمن هذه الآيات جملة أحكام ومواعظ، خليق بالمسلمين أن يُمعِنوا فيها النظر والتَّبصُّر، وأن يتدبروها خير تدبر؛ ليأخذوا بما حوته من المعاني الخيرة النافعة والمقتضيات الجليلة - وذلك في قوله: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يعني ما أُعطيتم من الغنى والسعة والخير في حياتكم هذه إنما هو متاع هيِّن وزائل - عما قليل يذهب ويفنى وهو بهذه الصفة من سرعة التبدد والزوال لا يستحق منكم أن تهتموا به كل هذا الاهتمام أو تعبئوا به مثل هذا الإعباء.
قوله: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ما عند الله من حسن الجزاء والثواب على طاعته، وما يدخره لعباده المؤمنين من عظيم الأجر في الآخرة لهو خير وأفضل وأدوم للمؤمنين الطائعين المخبتين لربهم المتوكلين عليه دون غيره من المخاليق.
37 - (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ)
قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ المراد بكبائر الإثم الكبائر من الذنوب - والجمهور على القراءة بالجمع - وقرأ بعضهم على الإفراد، أي كبير الإثم - وقيل: المراد به الشرك - والفواحش يراد بها الكبائر وهي داخلة فيها لكنها أفحش وأشنع كالقتل بالنسبة إلى الجرح، والزنا بالنسبة إلى المراودة - وقيل: الفواحش والكبائر بمعنى واحد - وقيل: الفواحش موجبات الحدود.
وهذه صفة للمؤمنين الصادقين وهي أنهم يجتنبون المعاصي الكبيرة أو الفواحش.