تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قوله: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ والمراد ههنا المشركون المكذبون بيوم الدين؛ فإنهم يستعجلون بقيام الساعة على سبيل التهكم والاستسخار، وهم يظنون أن الساعة غير قائمة - وذلك بخلاف المؤمنين الصادقين فإنهم موقنون بقيام الساعة وأن الناس مجموعون لرب العالمين ليلاقوا الحساب والجزاء - وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ أي وَجِلون من مجيئها، خائفون من قيامها - وهذه هي حال المؤمنين الصادقين؛ إذ يخشون ربهم على الدوام ولا يبرح الخوف قلوبهم من هول القيامة وفُجاءتها ومن شدة يوم الحساب - وهم لا يدرون ما الله حينئذ فاعل بهم - نسأله سبحانه النجاة.

قوله: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ المؤمنون موقنون أن الساعة قائمة، وأنها آتية لا ريب فيها.

قوله: ﴿أَلاَ إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ ذلك تأكيد من الله بأن الذين يخاصمون في قيام الساعة ويرتابون في حقيقتها، أولئك سادرون في الغي والباطل، تائهون في الجهالة والضلالة، موغلون في الغرور ومجانبة السداد 18.

19 - (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ)

قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (19) مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (21) تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾.

يبين الله لطفه بعباده وإحسانه إليهم؛ إذ رزقهم من واسع فضله وجزيل بركاته وكرمه - وأنزل إليهم الكتاب فيه تبصرة لهم وهداية وبعث فيهم نبيين من أنفسهم لينذروهم لقاء الله ويحذروهم يوم المعاد وليستنقذوهم من خُسران الدنيا والآخرة.

فقال سبحانه في كلماته الربانية العجيبة: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ ﴿لطيفٌ﴾ من اللطف وهو الرفق - واللطف من الله معناه التوفيق والعصمة - 19

وهذه حقيقة راسخة تنطق بها كلمات الله الفُضلى، ويفيض بها قوله الحق والصدق وهو أن الله رفيق بالعباد وحفيٌّ بهم فلا يظلمهم ولا يحيف عليهم؛ بل إنه عز وعلا قد أسبغ عليهم رحمته وفضله وإحسانه ما أقام به عليهم الحجة - ومن جملة لطف الله بالعباد وبالغ رأفته لهم، ذلك الرزق الذي جعله لهم ليقتاتوا ويعيشوا مطمئنين في الأرض، فلا تقُضُّهم القلة ولا يعُضُّهم الجوع، سواء فيهم المؤمنون والكافرون - فكلهم ينالون حظهم من الرزق الذي كتب الله لهم في هذه الدنيا.

وهذا هو قوله: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ يرزق الله جميع الناس - ورزقُهُ لهم على أقدار متفاوتة - فيوسع على هذا ويضيِّقُ على هذا - وفي ذلك حكمة لله بالغة يعلمها هو سبحانه.

قوله: ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ الله القوي الجبار، الذي تهبط تحت قهره وجبروته كل القوى - وهو سبحانه العزيز - أي المنيع الجناب الذي لا يغْلبُهُ غالب.

التفسير الشامل للقران الكريم · الصفحة ٢١١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التفسير الشامل للقران الكريمص ٢١١١