وإذا قيل: كيف يطلب سليمان الدنيا مع ذمِّها من الله تعالى؟ - أجيبَ بأن المراد بسؤاله الملك أن يتمكن به من أداء حقوق الله وإقامة حدوده وإنفاذه شرعه وأحكامه وتعظيم شعائره - ولا يتحقق ذلك إلا من جهة السلطان؛ فإنه بهيبته وجاهِهِ وبما لديه من قوة الدولة وسلطانها وعزها وعساكرها، تسير الأمور والأحوال في ظل شريعة سيرا موصولا مستقيما وعلى ما يُرام.
36 - (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ)
﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ استجاب الله دعاء سليمان فأعطاه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده؛ إذْ سخّر له الريح فهي ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ من الرخاوة
أي تسير الريح بأمر سليمان طيبة لينة مع قوتها وشدتها كيلا تضر بأحد ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ أي أراد وقصد.
37 - (وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ)
قوله: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾: ﴿كُلَّ﴾ بدل من الشياطين؛ أي سخر الله لسليمان الشياطين فسلَّطهُ عليها تسليطا، فاستعملها فيما شاء من أعماله، من بناء وغوص؛ أي استعملهم بناءين وغواصين، فالبناءون يصنعون المحاريب والتماثيل - والغواصون يستخرجون الحلي من البحار.
38 - (وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ)
﴿وَآَخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾
والمراد بالآخرين مردة الشياطين؛
فقد قرنهم في قيود الحديد وسلاسله.
39 - (هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)
قوله: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾ الإشارة عائدة إلى الملك الذي أعطاه الله إياه.
قوله: ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي اعط من شئت ما شئت من الملك الذي أوتيته، وامنع من شئت ما شئت منه فليس عليك في ذلك تبعة ولا حساب.
40 - (وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ)
قوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ﴾: له عند الله قربة وحُسن مرجع يوم القيامة.