قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (71) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (72) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ - ذلك تأنيس من الله، إذ يواسي به رسوله صلى الله عليه وسلم كيلا يبتئس بإعراض قومه المشركين وتكذيبهم له وهو قوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾
أي أن أكثر السابقين من الأمم الغابرة من قبل هؤلاء المشركين قد أضلوا واتبعوا الباطل وزاغوا عن عقيدة التوحيد وسلكوا سبيل الشيطان بعد أن أرسل الله فيهم أنبياءه ليبلغوهم دعوة ربهم ويحذروهم عاقبة كفرهم وإعراضهم عن دين الله.
73 - (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ)
قوله: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي انظر ما حل بأولئك الظالمين المتمردين
من الهلاك والانتقام بسبب إعراضهم عن
الإنذار وموالاتهم الشيطان وإيغالهم في المعاصي.
74 - (إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ)
﴿إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ استثناء من ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾ وهو استثناء منقطع؛
لأنه وعيد وهم لم يدخلوا في هذا الوعيد 33، فقد استثنى من إهلاك السابقين الظالمين،
عباده المؤمنين الذين أخلَصَهم بتوفيقهم للإيمان والطاعة وصالح الأعمال.
75 - (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ)
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (78) سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ﴾.
﴿نادانا﴾ من النداء وهو الالتماس والاستغاثة؛ أي سألنا نوح أن نهلك قومه لفرط عتوهم وكفرانهم وشدة إعراضهم وعنادهم ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ والمخصوص بالمدح محذوف، وتقديره: فلنعم المجيبون نحن 34 - والمعنى: فلنعم المجيبين كنا له - فقد أجبنا له دعاءه فأهلكنا قومه بالطوفان والتغريق.
76 - (وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ)
﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ المراد بأهله: أهل دينه الذين آمنوا معه واتبعوه،
وهم قلة قليلة من قومه الظالمين الذين طغوا في الأرض وعتوا عُتُوّا شديدا
لقد نجّى الله نوحا والمؤمنين معه من الكرب العظيم وهو الغرق.
77 - (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ)
قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ أي جعل الله ذرية نوح هم الباقين في الأرض من بعد
مهلك قومه الظالمين الذين أتى عليهم الطوفان فقضى عليهم
وبذلك فإن الناس كلهم من بعد مهلك نوح إلى اليوم إنما هم ذرية نوح.
78 - (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ)
قوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ﴾ يعني أبقينا على نوح ذكرا جميلا وثناء
حسنا فيمن جاء بعده من الأمم، فهم جميعا يثنون عليه خيرا ويسلمون عليه تسليما؛
وذلك فضل من الله كبير، ومنة عظمى يهبها لعباده المصطفين الأخيار.
79 - (سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ)
قوله: ﴿سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ ﴿سلام﴾ مرفوع على أنه مبتدأ، وعلى نوح في موضع رفع خبر المبتدأ - وجاز الابتداء بالنكرة؛ لأنه في معنى الدعاء كقوله: ﴿ويل للمطفّفين﴾ 35.