قوله: ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ يقول المتبوعون المضلون للتابعين الضالين: لم يكن عليكم تسلّط فنسلبكم به إرادتكم واختياركم بل كنتم أنتم مختارين للضلال والطغيان وهو قوله: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾.
31 - (فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ)
قوله: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ﴾ أي لزمنا قول ربنا وهو وَعيدُهُ بأنا ذائقون لعذابه لا محالة، وذلك لعلمه بحالنا.
32 - (فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ)
قوله: ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾ أي دعوناكم إلى الغي - وكنتم راغبين فيه - فغويتم ﴿إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾ فأردنا إغواءكم لتكونوا شركاءنا في الغي.
33 - (فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ)
قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ إنهم يوم القيامة مشتركون في العذاب كما كانوا مشتركين في الغواية والضلال - أولئك هم الأتباع الضالون، والمتبوعون المضلون، إنهم شركاء في الدنيا حيث الضلال والغي والإعراض عن دين الله، وهم كذلك شركاء في الآخرة حيث النار يقذفون فيها جزاء وفاقا بما عملوا جميعا من الشرك والعصيان.
34 - (إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ)
قوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ الكاف صفة لمصدر محذوف؛ أي إنا مثل ذلك الفعل نفعل بكل مجرم فسق عن أمر الله 15.
35 - (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ)
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (36) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (37) إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (38) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
يخبر الله عن هؤلاء المجرمين بأكبر إجرامهم وهو شركهم بالله وإعراضهم عن كلمة التوحيد وهي ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ فإنهم إذا دُعوا إلى الإقرار بوحدانية الله بنطق هذه الشهادة العظمى أبوا واستكبروا وأصروا على الإشراك واتخاذ الأنداد ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾
36 - (وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ)
﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ أما قولهم إنه شاعر فذلك ما لم يصح عنه صلى الله عليه وسلم وما كان ينبغي له أن يقرض الشعر - وقد بينا في تفسير سورة يس أن رسول الله ما كان شاعرا وما كان بمستطيع أن يقرض الشعر وتلك سجيته وجِبِلّته لحكمة ربانية مقدورة - وهذه حقيقة لا ينكرها إلا الجاحدون المعاندون.
أما قولهم: إنه مجنون فذلك قدحٌ مُسْتهجَن، وطعن مقبوح مشين، وافتراء ظالم وسقيم على خير الأولين والآخرين الذي شهدت له الدنيا بالصدق والأمانة وبالغ الذكاء والفطانة - شهد له المشركون من خصومه ومبغضيه إبانَ جاهليتهم بأنه الصادق الأمين؛ إذ لم يجرِّبوا عليه الكذب ولم يجدوا فيه أيَّما ذميمة من الذُّموم وسوء الخصال - وكذلك قد شهد له المتعلمون والدارسون والمصلحون من مختلف الأمم في كل الأزمنة، وفي زماننا هذا أنه الإنسان المميَّزُ الفذ بما أوتيه من كمال العبقرية وروعة الخلق وجمال الطبع والفطرة وسلامة الخصال والسيرة.