ذلك إخبار من الله عن إحاطة علمه بالمعوِّقين الذين يصدون الناس عن دين الله ويصرفونهم عن شهود القتال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
نقول: عاقه عوقا وعوَّقه، أي منعه 23 فهؤلاء منافقون مثبّطون كانوا يصدون الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم ويكرِّهون إليهم متابعته في قتال المشركين، ويخذِّلونهم عن الإسلام وأهله تخذيلا.
قوله: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ ﴿هَلُمَّ﴾، بمعنى أقبل - وها، للتنبيه، ضُمت إليها لمَّ، ثم حذفت الألف استخفافا وبنيت على الفتح؛ أي تعالوا إلينا وفارقوا محمدا ودعوه وشأنه ولا تشهدوا نعه قتالا أو حربا فإنا نخشى عليكم الهلاك بهلاكه.
قوله: ﴿وَلاَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي لا يشهدون الحرب أو القتال إلا تعذيرا أو رياء وسمعة.
على أن الذين قالوا لإخوانهم ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ هم المنافقون؛ إذ قالوا للمسلمين - على سبيل التخذيل والتثبيط - ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس - أي قلة يشبعهم رأس واحد فهو والذين معه هلكى، فهلم إلينا - وقيل: قائل ذلك يهود بني قريظة - فقد قالوا لإخوانهم المنافقين - على سبيل الترويع - هلم إلينا - أي أقبلوا إلينا ودعوا محمد وأصحابه فإنهم هالكون، ولئن ظفر بهم أبو سفيان فلن يبقي منهم أحدا.
وقيل: هذا يوم الأحزاب إذ انصرف رجل مؤمن من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد أخاه بين يديه شواء ونبيذ، فقال له: أنت ههنا في الشواء والرغيف والنبيذ ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرماح والسيوف - فقال: هلم إلى هذا فقد بلغ بك وبصاحبك - أي قد أحبط بك وبصاحبك - فقال له أخوه: كذبت أما والله لأخبرن النبي صلى الله عليه وسلم أمرك - وذهب إليه ليخبره فوجده قد نزل عليه جبريل عليه السلام بقوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ الآية.
19 - (أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا)
قوله: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ ﴿أَشِحَّةً﴾ منصوب على الحال - والشحّ معناه البخل - وهؤلاء المنافقون أشحة على المسلمين، أي بخلاء عليهم، فهم يضِنّون عليهم بكل شيء - فهم بخلاء عليهم في مشاركتهم في حفر الخندق، وفي قتال المشركين، وفي النفقة على الفقراء والمحاويج وغير ذلك من وجوه الخير.
قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ وهذا وصف كامل وحكيم لهؤلاء الجبناء الخائرين، فإنهم إذ وقع القتال وحصل بسببه الخوف ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ جملة فعلية، حال بعد حال 24 - أي لفرط خوف هؤلاء المنافقين وما غشيهم من شديد الفزع تدور أعينهم يمينا وشمالا كأنما سُلبت عقولهم فهم ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ أي تدور أعينهم دورانا كدوران عين الذي يُغشى عليه الموت - فحال هؤلاء الرعاديد، إذا حضر القتال ووقع الخوف كحال الذي يغشاه الموت فإنه يذهب عقله ويشخص بصره فلا يطرف.