قوله: (لا يسمعون حسيسها) الحسيس، معناه الصوت، وحسه؛ أي أحرقه 46؛ أي هؤلاء الذي سبق لهم في علم الله الفوز والنجاة لا يسمعون صوت النار الملتهبة المتأججة، مبالغة في الابتعاد عنها.
قوله: (وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون) (اشتهت)، من الشهوة - وهي طلب النفس اللذة - وهؤلاء الذين كتب الله لهم الحسنى يقيمون في النعيم الدائم ليجدوا فيه ما تشتهيه أنفسهم من الخيرات واللذات.
103 - (لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)
قوله: (لا يحزنهم الفزع الأكبر) (الفزع الأكبر)، يراد به القيامة وما فيها من اهوال، فإن ذلك لا يحزن المؤمنين الأبرار الذين كتب الله لهم النجاة، ولا يخفيهم، بل إنهم يومئذ آمنون سالمون.
قوله: (وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون) أي تستقبلهم الملائكة بالسلام والإكرام عند خروجهم من قبورهم - وقيل: عند دخولهم الجنة؛ إذ يهنئونهم بالفوز قائلين لهم: هذا وقت جزائكم الذي وعدكم الله - وهو الثواب والنعيم وحسن المقام في الجنة 47.
104 - (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ)
قوله تعالى: ﴿يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين﴾ (يوم)، منصوب بمقدر؛ أي اذكر يوم نطوي - أو ظرف (لا يحزنهم) أو (وتتلقاهم) - والمراد بطي السماء، محوها - كما نقول: اطو عنا هذا الحديث - أو تكوير نجومها - أو ضد نشرها - و (السجل) معناه الصحيفة - والكتب، بمعنى المكتوب؛ أي اذكر يوم نطوي السماء كطي الصحيفة على المكتوب - وحينئذ تتبدل الأشياء جميعا وتتبدد في الكون قوانينه ونظمه؛ إذ تتكور الشمس وتنكدر النجوم انكدارا، وتنثر الكواكب أيما انتثار - ذلك في عملية انقلابية فظيعة تأتي على الوجود كله.
قوله: (كما بدأنا أول خلق معيده) الكاف، حرف جر - وما بعدها مصدرية؛ أي نعيد أول خلْق إعادة مثل بدأتنا له؛ أي كما أظهرناه من العدم نعيده من العدم يوم البعث والنشور - (وعدا علينا) (وعدا)، منصوب على أنه مصدر مؤكد؛ لقوله (نعيده) - أي أن هذا كائن لا محالة؛ فهو وعد من الله ولن يخلف الله وعده - وهو سبحانه القادر على فعل ما يشاء (إنا كنا فاعلين) أي محققين هذا الوعد الذي لا تبدلا له ولا محيد عنه 48.
105 - (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)
قوله تعالى: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون (105) إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين (106) وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (107)﴾ (الزبور)، هو الكتابُ الذي أنزل على داود - والمراد بالذكر ههنا التوراة - وقيل: الزبور يعم الكتب السماوية المنزلة - والذكر معناه اللوح المحفوظ - والمراد بالأرض: أرض الشام أو الأرض المقدسة؛ فهي إنما يستحق أن يرثها عباد الله الصالحون من أمة النبي الخاتم، محمد (ص) - وهذا ما كتبه الله لعباده المؤمنين من أمة الإسلام.