قوله: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة) (الموازين) - جمع ميزان - وهو ما لا ندري بتصورنا الدنيوي المحدود ماهيته وحقيقته - ولكنه الميزان الذي توزن به الأعمال يوم القيامة وكفى - وفي الأظهر أن المراد بالموازين، الميزان الواحد - وقد جمع هنا باعتبار تعدد الأعمال التي توزن فيه - وقد وضعت الموازين بالقسط وهو العدل على سبيل المبالغة فيه- أي في العدل - وهي كأنها في نفسها قسط (ليوم القيامة) أي لأهل يوم القيامة - وقيل: اللام بمعنى في؛ أي في يوم القيامة.
قوله: (فلا تظلم نفس شيئا) (شيئا) مفعول به ثان؛ أي لا يمس أحدا ظلم - وإنما يوفى كل إنسان بما عمل (وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها) أي وإن كان الشيء أو العمل مثقال حبة من خردل) الخردل، حبّ شجر، يعالج بطلائه النقرس والنسا والبرص، ودخانه يطرد الحيات - وهو ملين هاضم 23
قوله: (أتينا بها) من الإتيان؛ أي أحضرناها لنجازي بها (وكفى بنا حاسبين) أي عالمين حافظين؛ لأنه لا يغيب عنا شيء من أعمال العباد - وفي ذلك من الوعيد ما لا يخفى 24.
48 - (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ)
قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين (48) الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون (49) وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون (50)﴾ المراد بالفرقان، التوراة - وهو الضياء والذكر؛ أي آتيناهما كتابا هو فرقانا وضياء وذكر - أما الفرقان: فلكونه فارقا بين الحق والباطل - وضياء؛ لأنه يستضاء به في ظلمات الجهالة والضلال، ولأنه يفضي بالضرورة إلى النجاة في الدارين - وذكر لأنه للتذكرة والموعظة والتنبيه أو بمعنى الشرف - وذلك كله (للمتقين) الذين يخافون الله ويذعنون له بالخضوع والامتثال.
49 - (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ)
وقد وصفهم الله بقوله: (الذين يخشون ربهم بالغيب) أي يخافون الله ولم يروه - أو يخافونه إذا غابوا عن أعين الناس.
قوله: (وهم من الساعة مشفقون) أي خائفون من دواهي القيامة وما فيها من الأهوال والبلايا - وذلك هو شأن المؤمنين الأتقياء؛ فإنه لا يغيب عن أذهانهم ذكر الساعة وما فيها من هول الحساب.
50 - (وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ)
قوله: (وهذا ذكر مبارك أنزلناه) الإشارة إلى القرآن؛ فإنه حافل بالخير والرحمة وجزيل المنافع، أنزلناه على محمد ليكون هداية للعالمين.
قوله: (أفأنتم له منكرون) استفهام إنكار وتوبيخ، يخاطب الله به المشركين الجاحدين - والمعنى: أفتنكرون هذا القرآن وهو في غاية الوضوح والإعجاز والصدق والجمال.