تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال لهما قوله الرباني الودود الذي يملأ عليهما القلب شرحا وراحة وطمأنينة ويثير فيهما بالغ الحماسة والنشاط ورباطة الجأش ﴿لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى﴾ لقد أذهب الله عنهما عادية من عوادي الأذى والتثبيط وهي عادية الخوف والجزع فاطمأنا وسكنا ثم أخبرهما ربهما أنه معهما فهو أقرب إليهما من أنفسهما إنه أقرب إليهما من حبل الوريد - فهو بذلك ناصرهما و مؤيدهما و مثبتهما - وهو كذلك يسمع كلام المتخاطبين من الفريقين، فريق الهدى، موسى وأخيه، وفريق الضلال، فرعون وجنوده - وهو سبحانه يرى ما يجري ويدور بينهما.

47 - (فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى)

وفي ذلك من تسليتهما وتثبيتهما ما لا يخفى قوله: ﴿فآتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل﴾ أمرهما ربهما أن يأتيا فرعون فيبلغاه أنهما مرسلان إليه من الله، وأن يقولا له: ﴿فأرسل معنا بني إسرائيل ولا نعذبهم﴾ أي خل عنهم وأطلقهم من الأسر والإستعباد ﴿ولا نعذبهم﴾ فقد كان فرعون يسوم بني إسرائيل العذاب؛ إذ كان يذبح أبناءهم و يستحيي نساءهم و يستعملهم للسخرة والشقاء، ويكلفهم من العمل في الطين و بناء المدائن ما لا يطاق.

قوله: ﴿قد جئناك بآية من ربك﴾ أي جئناك بدلالة أو برهان على صدق ما نقوله و ندعوك إليه - ولما سألهم فرعون عن هذه الدلالة أراهم موسى العصا و اليد؛ إذ صارت العصا حية عظيمة تسعى - وخرجت يده من جيبه بيضاء تتلألأ لسطوع شعاعها وضوئها.

قوله: ﴿والسلام على من اتبع الهدى﴾ أي من اتبع هدى الله وسار على طريقه المستقيم سلم من عذاب الله في الدارين - دار الدنيا حيث البلاء والهلاك جزاء المعصية والجحد - ثم دار الآخرة حيث العذاب الواصب الذي لا ينقطع؛ إذ الخلود في النار وبئس القرار.

48 - (إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى)

قوله: ﴿إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى﴾ ذلك إخبار من الله يخوف به فرعون لعله يخشع أو يتذكر أو يزدجر، وهو أن عذابه في الدنيا والآخرة لاحق بمن كذب برسله، وأعرض عن الإيمان بدينه،

وما جاء به النبيون المبعوثون من رب العالمين 1.

49 - (قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى)

قوله تعالى: ﴿قال فمن ربكما يا موسى (49) قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى (50) قال فما بال القرون الأولى (51) قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى (52)﴾.

قال فرعون مخاطبا موسى خطاب الجاحد المستنكر؛ إذ ﴿قال فمن ربكما يا موسى﴾ يعني من هو ربكما الذي تدعواني إليه؟ فإني لا أعرفه - وهو فوق جحوده هذا يزعم لنفسه الإلهية -والعياذ بالله- فأجابه الله حكاية عن نبيه موسى و هارون.

50 - (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)

﴿قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ أي الله الذي خص كل مخلوق بهيئته و صورته، فأعطاه شكله الذي يناسب ما أنيط به من منفعة؛ فقد أعطى العين الهيئة التي تناسب الإبصار، والأذن الشكل الذي يوافق الاستماع، وكذا الأنف و اليد والرجل ما يناسب كل واحد من هذه الأعضاء من الهيئة أو الشكل ليطابق المنفعة المنوطة به ﴿ثم هدى﴾ أي أعطى كل شيء صورته و صلاحه و هداه لما يصلحه.

51 - (قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى)

التفسير الشامل للقران الكريم · الصفحة ١٤٨٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التفسير الشامل للقران الكريمص ١٤٨٦