قوله: ﴿فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غذاءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا﴾ أي لما جاوزا المكان الذي نسيا فيه الحوت وهو مجمع البحرين وقد ذهبا عنه بمرحلة، طلب موسى من فتاه أن يأتيهما بالطعام وهو الحوت الذي حملاه معهما للاستطعام منه؛ فقد لقيا من هذا السفر تعبا وإعياء.
63 - (قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا)
قوله: (قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت) الاستفهام للتعجب - والصخرة كانت عند مجمع البحرين وهو موعد الوجدان؛ أي لما طلب موسى من فتاه أن يأتيهما بالطعام قال له فتاه متعجبا: أرأيت حين نزلنا عند الصخرة فقد نسيت هنالك الحوت (وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره) المصدر من، (أن) والفعل بعده في موضع نصب على البدل من الهاء في قوله: (أنسانيه) وتقديره: وما أنساني ذكره إلا الشيطان 81، والشيطان يُنسي العبد بما يلقيه في قلبه من خواطر، وفي نفسه من وساوس.
قوله: (واتخذ سبيله في البحر عجبا) (عجبا)، مفعول ثان للفعل - (واتخذ) - أو منصوب على المصدر؛ أي مضى الحوت في البحر مضيا يثير التعجب بسبب السرب الذي مشى فيه؛ فقد وثب في البحر وبقي أثر جريه في الماء.
64 - (قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا)
قوله: ﴿قال ذلك ما كنا نبغ فارتد على آثارهما قصصا﴾ (قصصا)، منصوب على المصدر بفعل مقدر دل عليه قوله: (فارتدا) وتقديره: يقصان الأثر قصصا 82 والقصص اتباع الأثر - قص أثره؛ أي تتبعه 83 والإشارة عائدة على فقد الحوت؛ أي ذلك الذي كنا نطلب؛ لأن فقدان الحوت كان أمارة على لقاء الخضر عليه السلام - ولذلك رجعا في طريقهما الذي جاء فيه، يتبعان آثار مشيهما اتباعا كيلا يضلا الطريق.
65 - (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا)
قوله: ﴿فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما﴾ المراد بالعبد ههنا، الخضر عليه السلام - وهو ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة وهو قول الجمهور - وهو عندهم نبي - وقيل: هو عبد صالح غير نبي، والأظهر كونه نبيا؛ استنادا إلى الأخبار الثابتة في ذلك؛ ولأن عظيم أفعاله لا تكون إلا بوحي - وقد آتاه الله رحمة من عنده - والمراد بالرحمة النبوة.
وقيل غير ذلك مما أنعم الله به عليه - وآتاه الله ايضا العلم وهو الإخبار بالغيب مما استأثر الله بعلمه - وقيل: ما حصل له بطريق الإلهام 84.
66 - (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا)
قوله تعالى: ﴿قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا (66) قال إنك لن تستطيع معي صبرا (67) وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا (68) قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا (69) قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا (70)﴾ يبين الله للناس ما قاله موسى عليه السلام للخضر، هذا الرجل العالم الصالح، الذي خصه الله بعلم لم يعلمه موسى - وكذلك أعطى موسى من العلم ما لم يعطه الخضر - فقد سأله موسى سؤال تلطف وتأدب وتواضع كشأن المتعلم؛ إذ يسأل العالم شيئا من أمور العلم، فقال له: (هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا) (رشدا)، مفعول ثان للفعل تعلمني؛ أي هل تستصحبني شريطة أن تعلمني شيئا مما علمك الله؛ لكي أسترشد به في أمري وديني.