تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قوله تعالى: ﴿فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا (6) إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا (7) وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا (8)﴾ (باخع)، مهلك - بخع نفسه بخعا؛ أي قتلها من وجْدٍ أو غيظ 6 - وهذه تعزية من الله لرسوله (ص) وتسلية له مما كان يصيب قبله من الحزن بسبب إعراضهم عن دين الله وعن كتابه الحكيم - وهو قوله: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم) يعني لعلك يا محمد مهلك نفسك أو قاتلها (على آثارهم) أي على فراقهم وعقب توليهم وإدبارهم عنك (إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا) المراد بالحديث القرآن - و (أسفا)، منصوب على المصدر في موضع الحال - وقيل: مفعول له؛ أي لا تهلك نفسك بفرط حزنك عليهم؛ إذ كفروا وكذبوا كلام ربهم، فما عليك إلا التبليغ والتبيين - فمن اهتدى بعد ذلك فلنفسه، ومن ضل فإنما يحيق به وحده الخسران.

7 - (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا)

قوله: ﴿إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا﴾ (زينة)، منصوب؛ لأنه مفعول ثان 7، والمعنى: أن الله خلق الأرض وما عليها من زينة على اختلاف أنواعها وألوانها وأشكالها، ما بين زروع وثمرات وأنعام ومعادن وحافلات - وغير ذلك من وجوه الزينة التي تعمر الأرض - لقد خلق الله كل ذلك ليبتلي به الإنسان، فيظهر فيهم من هو أطوع لأوامر الله وأكثر انزجارا عن نواهيه وأشد التزاما لشرعه وأحكامه.

والمراد من ذلك: التذكير بأن الدنيا دار اختبار ومرور، وأنها العاجلة الفانية الغرور، الصائرة إلى الزوال المحتوم عما قريب - فلا تبئس بما يفعله الظالمون من جحود وتمرد - ومما هو خليق ذكره هنا ان ابتئاس المسلم واشتداد حزنه وغضبه مما يفعله الظالمون من فرط الجحود والعصيان، لهو سمة ظاهرة تكشف عن إخلاص النية لله، وعن مبلغ التشبث بعقيدة الإسلام التي يستمسك بها المسلمون الغيورون في كل الأحوال - إن اغتمام المسلم مما يجده في نفسه من بالغ الحزن والأسى مما يقترفه الظالمون المجرمون في حق الإسلام والمسلمين من تشويه وكيد وإبادة واستئصال؛ لهو دليل على صدق القلب الموصول بالله، المحب لدينه وشرعه - وما ينبغي لمسلم أن يواجه الجرائم والفظائع التي ينزلها الظالمون الطغاة في ساحة الإسلام والمسلمين بفتور وتبلد - فمن ذا الذي لا يعبأ بأرزاء المسلمين وويلاتهم إلا من تخبو في صدره جذوة العقيدة، ويموت في نفسه الإحساس بالإيمان.

وشأن المسلم المخلص الغيور أن يغضب ويأسى ويبئس مما يفعله الطغاة والمجرمون في حق الإسلام والمسلمين على أن لا يفْضي الإفراط في الحزن والغضب إلى الهلكة وذهاب النفس حسرات.

8 - (وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا)

قوله: ﴿وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا﴾ الصعيد، التراب، أو وجه الأرض - والجرز، الأرض التي لا نبات فيها - وذلك كائن يوم القيامة؛ إذ يجعل الأرض مستوية قفرا لا نبات فيها ولا زرع ولا عمران؛ فكل ما عليها زائل وفان ثم صائر إلى الله الخالق المعيد - وفي ذلك مواساة للرسول (ص) كيلا يبخع نفسه فيهلكها حزنا مما يسمع ويرى.

9 - (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا)

التفسير الشامل للقران الكريم · الصفحة ١٤١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التفسير الشامل للقران الكريمص ١٤١٦