قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ 27 الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ 28 الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ يقول المشركون في سفاهة وضلال: هلا أنزل الله على محمد آية؟ أي معجزة حسية يشاهدونها أو يلمسونها كإنزال العذاب من السماء كسفا، أو إطباق الأخشبين عليهم، أو تحويل الأرض القفر جنات وأنهارا - أو غير ذلك من الآيات المقترحة؛ فرد الله عليهم بأن نزول مثل هذه الآيات لا يقتضي إيمانهم وهداهم بالضرورة والحتم؛ فإن من سبقهم من الأمم قد أوتوا كثيرا من المعجزات الحسية فلم يؤمنوا؛ بل نكصوا على أعقابهم وأبوا إلا الجحود والعصيان - وهذه الأمة كغيرها من الأمم سوف لا يفضي المعجزات الحسية إلى إيمانهم وهدايتهم على التحقيق - وخير دليل على ذلك: أن هذا القرآن أعظم معجزة يعيها البشر ويستمعون إليها - لا جرم أن القرآن في كمال أسلوبه ومبناه، وعظيم مضمونه ومعناه؛ ليس له في كلام العالمين نظير؛ فهو بذلك معجزة قائمة للعيان - ولو تدبرها تمام التدبر كل ذي قلب وبصر؛ وما لبث أن يهتدي أو يعتبر - لكنه بالرغم من ذلك كله؛ فإن الناس ضالعون في الانتكاس والانثناء عن الإيمان الحق - ومن أجل ذلك يقول الله: ﴿قُلْ إِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ لا يهدي الله إلى الحق والهدى من كان جانح الطبع، فاسد الفطرة، وإنما يهدي الله من كان سليم الطبع والفطرة، نقي الجوهر والضمير، مبرأ من مثالب النفس وأمراضها - فما يهتدي إلى منهج الله وينيب راجعا نائبا إلى ربه إلا كل ذي قلب سوي سليم - ومن دون ذلك من مرضى القلوب والفطر؛ فإنهم لا محالة نافرون من دين الله وصائرون إلى الضلال والجحود.
28 - (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)
قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ﴾ ﴿الذين﴾ بدل من قوله: ﴿من أناب﴾ وتطمئن قلوبهم}، أي تسكن وتركن إلى جناب الله وعند ذكره؛ إذ تتذكر جلاله ورحمته ومغفرته وعظيم سلطانه فتستشعر في أعماقها الراحة والإحساس بالأمن والسكينة - وقيل: المراد بذكره القرآن؛ فهو النظم العجيب المعجز الذي تتجلى فيه روائع شتى من كريم المعاني وحلاوة الإيقاع والنعم، ونفاذ السحر الباهر الذي يفضي إلى أعماق القلوب ليكسب فيها الشرج والحبور.
قوله: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ الله حقيق بأن تطيب لفضله القلوب، وتسكن لذكره وحده دون غيره من الشركاء والأنداد - الله حقيق أن تأنس بجلاله وبتلاوة قرآنه القلوب المستوحشة إذا غاب عنها المؤنسون من الخلان والأحباب - لا جرم أن الله وحده خير مؤنس للمرء في حالات العزلة والاحتباس؛ إذ تحيط به لواعج الكآبة والتلهف - فإذا ما ذكر العبد المحزون ربه وحيدا وجد في نفسه وأعماقه ما يسري عنه الهم والحزن، أو يكفكف عنه الإحساس بالضيق أو الوجل.