قوله: ﴿وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ ﴿يدرؤون﴾، يعني يدفعون 39، وهذه صفة سابعة للمؤمنين؛ فهم يدفعون السيئة على اختلاف معانيها وصورها، بالحسنة على تعدد ضروبها وأشكالها - لا جرم أن هذه خصيصة مثلى تتجلى في عباد الله المؤمنين الطائعين المخلصين؛ فهم إذا أساء إليهم الناس بمختلف وجوه الإساءة قابلوا ذلك بالحسنة - فقابلوا الشر بالخير، والقبيح بالحسن، والشح بالسخاء - وهم إذا ظلموا عفوا، وإذا حرموا أعطوا، وإذا قطعوا وصلوا من قطعهم - إن هذه شيم المؤمنين الطيبين الأخيار الذين يجزل الله لهم الثواب، ويكتب لهم الرحمة والرضوان.
وقيل: إذا أذنبوا تابوا؛ وإذا عملوا السيئات بادروا فعل الخيرات والحسنات فيتجاوز الله لهم عما اقترفوه.
قوله: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ أي عاقبة الدنيا - والمراد بها الجنة التي أعدها الله جزاء لأولئك المؤمنين الذين اتصفوا بما بينته الآية من الصفات 40.
23 - (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ)
قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ 23 سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ - ﴿جَنَّاتُ﴾، بدل من عقبى الدار} - و ﴿عَدْن﴾ يعني الإقامة والدوام الذي لا ينقطع - والمراد جنات الإقامة الأبدية والخلود الدائم الذي يمكث فيه المؤمنون يوم القيامة، والذي جعله الله جزاء للمؤمنين أولي الصفات العظيمة المبينة في الآية، ومعهم الصالحونٍ
﴿مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ أولئك يجمعهم الله بالمؤمنين أولي الصفات المذكورة كيما يحبروا 41 وتقر بهم عيونهم - لا جرم أن المؤمن يجد في نفسه كامل الراحة والسكينة والحبور، وهو يرى أهله وأحبابه الأقربين من حوله وهم آمنون مطمئنون سعداء في الجنة جعلنا الله منهم - على أن رباط النسب أو القربى وحده لا يغني شيئا إن كان في معزل عن دين الله، أو كان أولو القربى غير أولي دين، أو كانوا من المشركين الفاسقين - وإنما يعول على الصلاح في الدين والعقيدة ليتسنى لهؤلاء أن لدخلوا الجنة في صحبة المؤمنين وزمرتهم.
قوله: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ﴾ تدخل الملائكة الأطهار على المؤمنين السعداء الذين فازوا بالجنة فيهنئونهم بنجاتهم وفوزهم - يدخلون عليهم من أبواب الجنة محيين ومباركين ليكون في ذلك زيادة لهم في النعيم والتكريم.
24 - (سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)
قوله: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ ﴿سلام﴾ مرفوع على الابتداء، والخبر ﴿عليكم﴾ والتقدير: يقولون سلام عليكم - وبهذا القول تحيي الملائكة أهل الجنة، وذلك في رفق وتكريم ورحمة بدل صبرهم على الشدائد في الدنيا وهو قوله ﴿بما صبرتم﴾ والباء بمعنى بدل.
قوله: ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ نعم: فعل مدح، والمخصوص بالمدح محذوف؛ أي: فنعم عقبى الدار الجنة - والدار تحتم الدنيا وتحتمل الآخرة 42.