106 - (وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ)
قوله: ﴿ولا تدع مع الله ما لا ينفعك ولا يضرك﴾ أي لا تعبد من دون الله أحدا من المخاليق؛ فإنهم لا يملكون لك نفعل ولا ضرا إذا دعوتهم أو رجوتهم ﴿فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين﴾ لئن فعلت شيئا من ذلك فأنت في عداد المشركين الذين ظلموا أنفسهم بإيقاعها في الخسران، وفي ذلك تعريض بغير رسول الله صلى الله عليه وسلم من العباد - والرسول عليه السلام أبعد الخليفة عن دعاء غير الله، وهو أشد البرية مجانبة للشرك.
107 - (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)
قوله: ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو﴾ الضر، بالضم، وهو الفقر والفاقة - وقيل: كل ما كان سوء حال وفقر وشدة 112.
والمعنى: أن ما يصيب الإنسان من شدة أو ضيق أو غير ذلك من ضروب الكروب؛ فإنه ليس له من دافع يدفع إلا الله؛ فهو سبحانه يتولى كشف السوء والبلاء عن المكروب بما شاء وكيف شاء - أما هذه الأصنام الجامدة البلهاء التي لا تريم 113 فأنى لها أن تكشف عن أحد سوءا أو مكروها - حتى الأنداد والمتجبرون من البشر كالظالمين والمستكبرين والطغاة لا يملكون كشف السوء أو البلاء عن أحد إلا أن يشاء الله ذلك؛ فهو سبحانه يكشف البلاء والأرزاء عن عباده بما يقدره وييسره من الأسباب والوسائل.
قوله: ﴿وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده﴾ إذا أردا الله بأحد خيرا من نعمة أو رخاء أو عافية أو ابتهاج أو انفراج؛ فليس من أحد يستطيع أن يحول بين العبد المنعم عليه وما كتب الله له من نعمة أو خير - ليس من أحد كائنا من كان يقدر أن يحجب الخير المقدور عن احد من العباد - وإنما السراء والضراء بيد الله وحده يصيب بذلك ﴿من يشاء من عباده﴾ فلا راد لقضائه ولا مانع لفضله إلا هو.
قوله: ﴿وهو الغفور الرحيم﴾ الله الذي يغفر الذنوب للتائبين المنيبين إليه - وهو سبحانه رحيم بعباده المؤمنين المخبتين الذين يعجون إليه في كل آن بالإنابة والاستغفار 114.
108 - (قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ)
قوله تعالى: ﴿قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل 108 واتبع ما يوحي إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين﴾.
يأمر الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم أن يعلم للناس جميعا عن مجيء الحق لهم وهو القرآن؛ فإن فيه خير البشرية وسعادتها ونجاتها في الدنيا والآخرة - وفيه من روعة العقيدة وبساطتها ويسرها، ومن جمال القيم والسلوك وكمال التشريع ما تصلح عليه أحوال الناس كافة في سائر الأزمنة والبلدان - فمن استقام على منهج هذا الكتاب الحكيم؛ فقد نفع نفسه بخلاصها ونجاتها - أما من أبي وزاغ عن طريق الله وارتضى بالكفر والضلال سبيلا؛ فإنما يجني على نفسه فيوردها المهاوي والخسران.
قوله: ﴿وما أنا عليكم بوكيل﴾ أي لست عليهم يا محمد بحافظ ولا مسلط إنما أنت مبلغ ونذير، يناط بك أن تبلغهم وتدعوهم إلى الإسلام - ثم مردهم بعد ذلك إلى الله وهو يتولى حسابهم وعقابهم.