تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قوله تعالى: ﴿ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين﴾ يستنبئونك بمعنى يستخبرونك، فيتعدى إلى مفعولين - المفعول الأول الكاف - وقوله: ﴿أحق﴾ جملة اسمية في موضع المفعول الثاني ﴿قل إي وربي﴾ ﴿إي﴾، حرف يكون مع القسم بمعنى نعم - ومنه قولهم: إيها الله - بمعنى إي والله - وجواب القسم ﴿إنه لحق﴾ 64؛ وذلك أن المشركين يستخبرون النبي صلى الله عليه وسلم عن قيام الساعة وحصول العذاب، على سبيل الإنكار والسخرية ﴿أحق هو﴾ ﴿أحق﴾ مبتدأ - خبره هم - أي أحق ما تعدنا به يا محمد من قيام الساعة وحصول العذاب - ثم جاء الجواب من الله مجلجلا مدويا يحمل القطع والتأكيد على أن الساعة قائمة وأن عذاب الله حائق بالمكذبين والجاحدين والمجرمين ﴿قل إي وربي إنه لحق﴾ يعني: نعم وربي إنه لحق - وذلك أمر من الله ولرسوله صلى الله عليه وسلم أن يقسم هذا القسم الصادق الحق على أن ما وعدكم به الله لهو حق، وهو واقع لا محالة - ونظير ذلك من القسم قوله عز من قائل: ﴿وقال الذين كفروا لا تأتنا الساعة قل بلى وربي لتأتيكم﴾ وقوله سبحانه: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن﴾.

قوله: ﴿وما أنتم بمعجزين﴾ أي ليس في مستطاعكم أن تفوتوا عذاب الله بالهرب أو الامتناع أو التحيل - ولكنكم حينئذ كائنون في قبضة الله وفي سلطانه وجبروته؛ فلا مفر لكم ولا مناص 65.

54 - (وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)

قوله تعالى: ﴿ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون﴾ أي ولو أن لكل نفس كفرت بالله أو أشركت به غيره من الآلهة والأنداد، ما في الأرض من المال والملك والنفائس والذخائر ﴿لافتدت به﴾ أي لجعلته فدية لها من العذاب فتنجو بنفسها مما حل بها - ومثل هذه الأمنية ليس إلا ضربا من الحلم الشاطح يراود المجرمين الخاسرين يوم القيامة وهم تحيط بهم كل ظواهر اليأس والذعر والوجل وانخلاع القلوب؛ فلا يغنيهم من عذاب الله حينئذ مال ولا سلطان ولا غير ذلك من مفاخر الدنيا.

قوله: ﴿وأسروا الندامة لما رأوا العذاب﴾ أي أخفى رؤساء المشركين والخاسرين ندامتهم عن أتباعهم من الوضعاء والسفلة والرعاع إحساسا بالخزي والافتضاح والمعرة أمامهم، وكيلا يوبخهم؛ لأنهم أضلوها - وهذا إذا أيقنوا أن عذاب الله واقع وقبل أن يكبكبوا في النار؛ فهم قبل الكبكبة والاصطلاء والتحريق قد بقي فيهم بقية من القدرة على التصنع والمكابرة يكشف عنها استسرارهم الندامة في أنفسهم وإخفاؤها عن أتباعهم الرعاع - حتى إذا سقطوا في النار جميعا ذهب التصنع والمكابرة وغاروا في الإياس والندامة وخواء القلوب.

قوله: ﴿وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون﴾ أي قضي الله بين هؤلاء الرؤساء من الكافرين وأتباعهم بالعدل ﴿وهم لا يظلمون﴾ الجملة في محل نصب حال؛ فالله لا يظلم أحدا مثقال ذرة - فما جوزوا به من العذاب كان سببه ما كسبوه من الكفر والمعاصي 66.

55 - (أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ)

التفسير الشامل للقران الكريم · الصفحة ١١٠٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التفسير الشامل للقران الكريمص ١١٠٣