قُلْتُ: إلا أنه كانت تعتريه حدّة على المخالف، وربما انقلبت محبَّتُهُ لمن خالفَهُ عداوة وبغضًا وحطًا لقدْرِ مُخالفه. ولعلّ ذلك كان من الأسباب التي دعته إلى الهجرة من غرناطة، فقد حملته حدة الشبيبة على التعرض للأستاذ أبي جعفر بن الطباع، وقد وقعت بينه وبين أستاذه أبي جعفر بن الزبير وقعة، فنال منه، وتصدى لتأليف في الرد عليه وتكذيب روايته، فرفع أمره إلى السلطان، فأمر بإحضاره وتنكيله، فاختفى، ثم ركب البحر ولحق بالمشرق.
وكذا ما وقع بينه وبين الإمام ابن تيمية من بعد مدحه والثناء عليه شعرًا ونثرًا، وتعرضه للإمام تقي الدين ابن دقيق العيد كذلك. وقد قيل: إنه كان يغضُّ من ألفية ابن مالك.
ثم إن بعض من ترجم له وصفه بالبخل، وأنه كان يفتخر به كما يفتخر غيره بالكرم!.
وعندي أنَّ ذلك لا يعدو أن يكون حرصًا وحزمًا بسبب ما عاناه من صعاب الحياة وشدة الاغتراب، وبنحو ذلك أجاب تلميذه الصَّفَدِيّ، فقال: «والذي أراه فيه أنه طال عمره وتغرب، وورد البلاد، ولا شيء معه، وتعب حتى حصل المناصب تعبًا كثيرًا، وكان قد جرَّب الناس، وحلب أشطر الدهر، ومرت به حوادث، فاستعمل الحزم».
ومع كل ذلك فقد كان كثير الضحك والانبساط، بعيدًا عن الانقباض، جيّد الكلام، حسن اللقاء، جميل المؤانسة، مُقبلًا على الطلبة الأذكياء، وعنده تعظيم لهم، ثبتًا صدوقًا، حجة رحمه الله