[وقال تعالى] ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ﴾ إلى أن قال: ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ [ الممتحنة:1 ] وقال تعالى -بعد ذكر موالاة المؤمنين للمؤمنين من المهاجرين والأنصار والأعراب-: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾ [ الأنفال:73 ].
وقوله: ﴿ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ﴾ أي: إلا من خاف في بعض البلدان أوالأوقات من شرهم،فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته،كما حكاه البخاري عن أبي الدرداء أنه قال: "إنَّا لَنَكْشرُ فِي وُجُوهِ أقْوَامٍ وَقُلُوبُنَا تَلْعَنُهُمْ".
وقال الثوري: قال ابن عباس،رضي الله عنهما: ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان،وكذا رواه العوفي عن ابن عباس: إنما التقية باللسان،وكذا قال أبو العالية،وأبو الشعثاء والضحاك،والربيع بن أنس. ويؤيد ما قالوه قول الله تعالى: ﴿ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ[ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] ﴾ [ النحل:106 ] (1)
وعَنْ جَابِرٍ،قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - :"كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ،وَكُلُّ مَا أَنْفَقَهُ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ،وَمَا أَنْفَقَهُ عَلَى أَهْلِهِ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ،وَمَا وَقَى بِهِ عِرْضَهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ " (2)
وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ،قَالَ:لَيْسَ بِحَكِيمٍ مَنْ لَمْ يُعَاشِرْ بِالْمَعْرُوفِ،مَنْ لَمْ يَجِدْ بُدًّا يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا. (3)
وعَنْ جَابِرٍ،قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - :مُدَارَاةُ النَّاسِ صَدَقَةٌ. (4)
(1) - تفسير ابن كثير - دار طيبة - (2 / 30)
(2) - مَكَارِمُ الْأَخْلَاقِ لِلْخَرَائِطِيِّ (75 ) حسن
(3) - مصنف ابن أبي شيبة - (14 / 57) (36854) صحيح
(4) - صحيح ابن حبان - (2 / 217)(471) حسن لغيره
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : الْمُدَارَاةُ الَّتِي تَكُونُ صَدَقَةً لِلْمُدَارِي هِيَ تَخَلُّقُ الإِنْسَانِ الأَشْيَاءَ الْمُسْتَحْسَنَةَ ، مَعَ مَنْ يُدْفَعُ إِلَى عِشْرَتِهِ ، مَا لَمْ يَشُبْهَا بِمَعْصِيَةِ اللهِ وَالْمُدَاهَنَةُ : هِيَ اسْتِعْمَالُ الْمَرْءِ الْخِصَالَ الَّتِي تُسْتَحْسَنُ مِنْهُ فِي الْعِشْرَةِ وَقَدْ يَشُوبُهَا مَا يَكْرَهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلاَ.صحيح ابن حبان - (2 / 218)