مَنْ كَانَ مِن أُمَّهاتِى بَاكِيًا أَبَدًا ... فاليَوْمَ إنِّي أَرَانِى اليَوْمَ مَقْبُوضَا
يُسْمِعْنَنِيهِ فإنِّى غيرُ سَامِعِه ... إذا جُعِلْتُ على الأعْوَادِ مَعْرُوضَا (٤٧)
ولا بُدَّ من حَمْلِ البُكاءِ في هذه الأحاديثِ على البُكاءِ غير المَشْرُوعِ، وهو الذي معه نَدْبٌ ونِيَاحَةٌ (٤٨) ونحوُ هذا، بدليلِ ما قَدَّمْناهُ من الأحاديثِ في صَدْرِ المَسألةِ.
فصل: ويَنْبَغِى لِلْمُصَابِ أن يَسْتَعِينَ باللهِ تعالى، ويَتَعَزَّى بِعَزَائِه، ويَمْتَثِلَ أمْرَهُ في الاسْتِعَانَةِ بالصَّبْرِ والصَّلاةِ، ويَتَنَجَّزَ (٤٩) ما وَعَدَ اللهُ به الصَّابِرِينَ، حيثُ يقولُ سُبْحَانَه: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٥٠). ورَوَى مُسْلِمٌ، في "صَحِيحِه"، عن أُمِّ سَلَمَةَ، رضي الله عنها، قالتْ: سمعتُ رسولَ اللهِ -ﷺ- يقول: "مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُه مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، اللَّهُمَّ أْجُرْنِى في مُصِيبَتِى، واخْلُفْ لِى خَيْرًا مِنْهَا. إلَّا أجَرَهُ اللهُ في مُصِيبَتِه، وأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا" قالتْ: فلمَّا ماتَ أبو سَلَمَةَ، قلتُ كما أمَرَنِى رسولُ اللهِ -ﷺ-، فأخَلَفَ لِى خَيْرًا منه، رسولَ اللهِ -ﷺ- (٥١). ولْيَحْذَرْ أن يتكلَّمَ بِشىءٍ يُحْبِطُ أجْرَه، ويُسْخِطُ رَبَّه، ممَّا يُشْبِه التَّظَلُّمَ والاسْتِغَاثَةَ، فإنَّ اللَّه عَدْلٌ لا يَجُورُ، وله ما أخَذَ وله (٥٢) ما أعْطى، وهو الفَعَّالُ لما يُرِيدُ، ولا (٥٣) يَدْعُو على نَفْسِه، فإنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- قال، لمَّا ماتَ أبو سَلَمَةَ: "لا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُم إلَّا
(٤٧) في أ، م: "سمعنيه فإنى. . . على الأعناق. . .".
(٤٨) في الأصل: "في نياحة".
(٤٩) في الأصل: "ويستنجز".
(٥٠) سورة البقرة ١٥٥ - ١٥٧.
(٥١) في: باب ما يقال عند المصيبة، من كتاب الجنائز. صحيح مسلم ٢/ ٦٣٣. كما أخرجه الإِمام مالك، في: باب جامع الحسبة في المصيبة، من كتاب الجنائز. الموطأ ١/ ٢٣٦ مختصرًا. والإِمام أحمد، في: المسند ٦/ ٣٠٩.
(٥٢) سقط من: الأصل.
(٥٣) في أ، م: "فلا".