فصل: ويُسْتَحَبُّ الدَّفْنُ في المَقْبَرَةِ التي يَكْثُرُ فيها الصَّالِحُونَ والشُّهَدَاءُ؛ لِتَنَالَه بَرَكَتُهم، وكذلك في البِقَاعِ الشَّرِيفَةِ. وقد رَوَى البُخَارِىُّ، ومُسْلِمٌ (٤٠)، بإسْنَادِهِما، أن موسى عليه السلام لمَّا حَضَرَهُ المَوْتُ، سَألَ اللهَ تعالى أن يُدْنِيَهُ إلى الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بحَجَرٍ، قال النَّبِىُّ -ﷺ-: "لو كُنْتُ ثَمَّ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ".
فصل: وجَمْعُ الأقارِبِ في الدَّفْنِ حَسَنٌ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ -ﷺ- لمَّا دفنَ عثمان بن مَظْعُونٍ: "أَدْفِن إلَيْهِ مَنْ مَاتَ من أَهْلِه" (٤١). ولأنَّ ذلك أسْهَلُ لِزِيَارَتِهم، وأكْثَرُ لِلتَّرَحُّمِ عليهم. ويُسَنُّ تَقْدِيمُ الأبِ ثم مَن يَلِيه في السِّنِّ والفَضِيلَةِ، إذا أمْكَنَ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ دَفْنُ الشَّهِيدِ حيثُ قُتِلَ. قال أحمدُ: أمَّا القَتْلَى فعلَى حديثِ جابِرٍ، أنَّ النَّبِىَّ -ﷺ-، قال: "ادْفِنُوا القَتْلَى في مَصَارِعِهِمْ" (٤٢). ورَوَى ابنُ مَاجَه (٤٣)، أنَّ رسولَ اللهِ -ﷺ- أمَرَ بِقَتْلَى أُحُدٍ أن يُرَدُّوا إلى مَصَارِعِهِمْ. فأمَّا غيرُهم فلا يُنْقَلُ المَيِّتُ من بَلَدِهِ إلى بَلَدٍ آخَرَ، إلَّا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ. وهذا مَذْهَبُ الأوْزاعِىِّ، وابنِ المُنْذِرِ. قال عبدُ اللَّه ابن أبي مُلَيْكَةَ: تُوُفِّىَ عبدُ الرحمنِ بن أبى بكرٍ بالحَبَشَةِ، فحُمِلَ إلى مَكَّةَ، فدُفِنَ، فلمَّا قَدِمَتْ عائشةُ أَتَتْ قَبْرَهُ، ثم
(٤٠) أخرجه البخاري، في: باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها، من كتاب الجنائز. صحيح البخاري ٢/ ١١٣، ومسلم، في: باب من فضائل موسى -ﷺ-، من كتاب الفضائل. صحيح مسلم ٤/ ١٨٤٢، ١٨٤٣. كما أخرجه النسائي، في: باب نوع آخر، من كتاب الجنائز. المجتبى ٤/ ٩٦. والإِمام أحمد، في: المسند ٢/ ٢٦٩، ٣١٥.
(٤١) تقدم تخريجه في صفحة ٤٣٦.
(٤٢) أخرجه أبو داود، في: باب في الميت يحمل من أرض إلى أرض وكراهة ذلك، من كتاب الجنائز. سنن أبي داود ٢/ ١٨٠. والنسائي، في: باب أين يدفن الشهيد، من كتاب الجنائز. المجتبى ٤/ ٦٥. وابن ماجه، في: باب ما جاء في الصلاة على الشهداء ودفنهم، من كتاب الجنائز. سنن ابن ماجه ١/ ٤٨٦. والإِمام أحمد، في: المسند ٣/ ٣٠٨، ٣٩٨.
(٤٣) انظر: تخريج الحديث السابق.