لوجود السبب -سبب الضمان- هل هو عالم بما فعل؟ الجواب: لا. كيف؟
نقول: هذا ليس من خطاب التكليف .. وجوب الضمانات والأروش هذه ليست من خطاب التكليف، وإنما هي من خطاب الوضع، فمتى ما وجد السبب سواء كان عالماً أو لا نقول: تعيّن.
إذاً: ﴿فَكَالنَّائِمِ يُتْلِفُ شَيْئًا حَالَ نَوْمِهِ، وَالرَّامِي إلَى صَيْدٍ فِي ظُلْمَةٍ﴾ رمى شيئاً فأصاب إنساناً، حينئذٍ لم يعلم به فقتله، يضمن أو لا يضمن؟ يضمن، هو عالمٌ بأنه سيقتله أو أنه قتله؟ الجواب: لا، كيف ضمن؟ نقول: هذا ليس من قبيل الحكم التكليفي وإنما هو من قبيل الحكم الوضعي، فلا يُشترط فيه علمه.
﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ، فَيَقْتُلُ إنْسَانًا، فَإِنَّهُمَا يَضْمَنَانِ﴾ يعني: النائم والرامي ﴿وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا﴾.
إذاً: العلم ليس شرطاً في الحكم الوضعي.
﴿وَكَالْمَرْأَةِ تَحِلُّ بِعَقْدِ وَلِيِّهَا عَلَيْهَا﴾ ولو لم تعلم.
يعني: الولي له -على قول- أن يزوج ابنته دون علمها إذا كانت بكراً، فحينئذٍ إذا كان كذلك قد حصل الحل بالعقد وهو سبب دون علم الزوجة، كيف ذاك؟ نقول: لكونه حكماً وضعياً فلا يُشترط فيه العلم.
وكذلك: ﴿تَحْرُمُ بِطَلاقِ زَوْجِهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً﴾ لا يُشترط العلم، ومثله الرجعة، تعود ولا يشترط فيها العلم
{وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً لا تَعْلَمُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْقُدْرَةِ}.
إذاً: في الأمثلة السابقة ترتبت الأحكام الشرعية الوضعية مع انتفاء العلم، ولا إشكال في ذلك، لماذا؟ لأن العلم ليس شرطاً في صدق الحكم الوضعي، وإن كان شرطاً في صدق الحكم التكليفي.
﴿وَأَمَّا عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْقُدْرَةِ وَالْكَسْبِ: فَكَالدَّابَّةِ تُتْلِفُ شَيْئًا﴾ فيضمن صاحبها بشرطه.
{وَالصَّبِيِّ أَوْ الْبَالِغِ يَقْتُلُ خَطَأً، فَيَضْمَنُ صَاحِبُ الدَّابَّةِ وَالْعَاقِلَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْقَتْلُ وَالإِتْلافُ مَقْدُورًا وَلا مُكْتَسَبًا لَهُمْ.
وَطَلاقُ الْمُكْرَهِ عِنْدَ مَنْ يُوقِعُهُ، وَهُوَ غَيْرُ مَقْدُورٍ لَهُ بِمُطْلَقِ الإِكْرَاهِ أَوْ مَعَ الإِلْجَاءِ.
وَإِلَى ذَلِكَ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ}.
إذاً: القاعدة في الفرق بين خطاب الوضع وخطاب التكليف: أن خطاب التكليف يشترط فيه علم المكلَّف وقدرته على الفعل، وأن يكون هذا الفعل واقعاً منه لا من غيره.
العكس في خطاب الوضع، فلا يشترط فيه العلم ولا القدرة ولا الكسب.
ولذلك يجب على الولي ما أفسده صبيه في خارج المنزل، هو لم يفعل ذلك ولم يعلم به، حينئذٍ نقول: وجب بفعل غيره، لكن وجب ماذا؟ وجب الضمان عند إتلاف صبيه، لماذا؟ لكونه حكماً وضعياً لا تكليفياً، وهذا من أهم ما يميز بين النوعين.
الأول: أن خطاب الوضع إنما جاء الشرع ببيان كون الشيء سبباً أو شرطاً أو مانعاً، وهو خبر وليس فيه طلب.
الثاني: بالأحكام المذكورة للفرق بين النوعين.
ولذلك قال في المتن: (وَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ تَكْلِيفٌ).