حينئذٍ قال: ﴿فَاعْلَمُوا أَنِّي قَدْ أَوْجَبْت عَلَيْكُمْ أَدَاءَ الزَّكَاةِ، وَإِنْ وُجِدَ الدَّيْنُ الَّذِي هُوَ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِهَا﴾ على قولٍ ﴿أَوْ انْتَفَى السَّوْمُ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ لِوُجُوبِهَا فِي السَّائِمَةِ. فَاعْلَمُوا أَنِّي لَمْ أُوجِبْ عَلَيْكُمْ الزَّكَاةَ﴾.
هذا شأن المانع، وشأن انتفاء الشرط.
﴿وَكَذَا الْكَلامُ فِي الْقِصَاصِ وَالسَّرِقَةِ وَالزِّنَا وَغَيْرِهَا، بِالنَّظَرِ إلَى وُجُودِ أَسْبَابِهَا وَشُرُوطِهَا، وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهَا وَعَكْسِهِ﴾ انتهى كلام الطوفي رحمه الله تعالى.
إذاً بيّن لنا ما وجه التسمية بكونه خطاب وضع، وما وجه التسمية بكونه خطاب إخبار.
قال: ﴿وَالْفَرْقُ بَيْنَ خِطَابِ الْوَضْعِ وَخِطَابِ التَّكْلِيفِ﴾ من وجوه.
أولاً: ﴿مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةُ: أَنَّ الْحُكْمَ فِي خِطَابِ الْوَضْعِ هُوَ قَضَاءُ الشَّرْعِ عَلَى الْوَصْفِ بِكَوْنِهِ سَبَبًا أَوْ شَرْطًا أَوْ مَانِعًا﴾.
إذاً: الذي يعين أن هذا الوصف سبب هو الشارع، والذي يعين أن هذا الوصف هو شرطٌ هو الشارع وليس العقل، والذي يعين أن هذا الوصف مانعٌ هو الشارع.
فدل ذلك على أن كلاً منهما حكم شرعي.
﴿وَخِطَابِ التَّكْلِيفِ: لِطَلَبِ أَدَاءِ مَا تَقَرَّرَ بِالأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ وَالْمَوَانِعِ﴾.
يعني: هو أثر هذه الأسباب والشروط والموانع، وفرق بين الأثر والمؤثر .. بين النتيجة وبين السبب.
﴿وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ: أَنَّ خِطَابَ التَّكْلِيفِ يُشْتَرَطُ فِيهِ عِلْمُ الْمُكَلَّفِ﴾ لقوله تعالى: ((وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ)) [التوبة:115] إذاً: العلم شرط، ((وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)) [الإسراء:15] فغير العالم بالخطاب لا يكلف به.
إذاً: شرط التكليف الذي هو الأحكام الأربعة أو الخمسة: علم المكلَّف، هذا أولاً.
ثانياً: ﴿قُدْرَتُهُ عَلَى الْفِعْلِ﴾ بمعنى أن يكون عنده من الوسع والقدرة ما يستوعب هذا الفعل، لقوله تعالى: ((فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)) [التغابن:16]، ولقوله تعالى: ((لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)) [البقرة:286] يعني: طاقتها.
ثالثاً: ﴿وَكَوْنُهُ مِنْ كَسْبِهِ﴾ يعني: من فعله هو لا من فعل غيره.
فإن كان من فعل غيره فحكمه حكم آخر.
كَالصَّلاةِ، فلا تجب على المكلَّف إلا إذا كان: عالماً .. قادراً، وكان الفعل واقعاً منه هو لا من غيره.
وكذلك: ﴿الصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَنَحْوِهَا﴾.
﴿وَأَمَّا خِطَابُ الْوَضْعِ: فَلا يُشْتَرَطُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ﴾.
وَالعِلمُ وَالوُسْعُ عَلَى المَعْرُوفِ ... شَرْطٌ يَعُمُّ كُلَّ ذِي تَكْلِيفِ
وأما غير المكلَّف فلا يعمه، ولا يشترط فيه لا العلم ولا الوسع يعني: القدرة.
﴿وَأَمَّا خِطَابُ الْوَضْعِ: فَلا يُشْتَرَطُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إلاَّ مَا اسْتُثْنِيَ﴾ وسيذكرها في المتن.
﴿أَمَّا عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ: فَكَالنَّائِمِ يُتْلِفُ شَيْئًا حَالَ نَوْمِهِ﴾ حينئذٍ يضمن؟ نقول: نعم يضمن، لماذا؟