(وَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ) يعني: لخطاب الوضع (تَكْلِيفٌ) ومعلوم أن التكليف يجمع أمرين: البلوغ والعقل، فلا يُشترط لخطاب الوضع أن يتعلق بالمسلم .. لا يشترط فيه أن يكون مكلفاً وإنما يشترط فيه أن يكون مسلماً، فإذا كان كذلك دخل الصبي ودخل المجنون، وصنيع أو فعل البهيمة، وسيأتي ذكره.
إذاً: لا يشترط له تكليف وهو البلوغ والعقل، وهذا دليله الإجماع، أنه لا يشترط له تكليف بالإجماع يعني: لا يُعتبر البلوغ ولا يعتبر العقل، فالمجنون يتعلق به الحكم الوضعي، والصبي يتعلق به الحكم الوضعي.
(وَلَا كَسْبٌ) يعني: ولا يشترط له .. للحكم الوضعي كسبٌ وهو فعل منه.
يعني: أن يكون مباشراً له، كما هو الشأن في خطاب التكليف.
فقد يكون حينئذٍ داخلاً تحت قدرة المكلَّف .. الفعل الذي يترتب عليه الحكم الوضعي قد يكون داخلاً تحت قدرة المكلَّف؛ بحيث يستطيع الفعل أو الترك، قالوا: كالسرقة التي هي سبب في قطع اليد.
السرقة هذه سبب، هل هي داخلة تحت قدرة المكلَّف؟ نحن نقول: لا يُشترط له الكسب، فقد يكون وقد لا يكون، هذا ليمَيَّز بين النوعين: خطاب التكليف وخطاب الوضع.
لكن ليس هذا الشرط لبيان أن كلما يتعلق به خطاب الوضع فليس داخلاً تحت قدرة المكلَّف، السرقة هذه يترتب عليها القطع -الحد-، والزنا يترتب عليه الحد، وكذلك القتل يترتب عليه .. وكلها أسباب، وكلها داخلة تحت كسب المكلَّف، حينئذٍ يكون من خطاب الوضع ما هو داخل تحت قدرته.
وقد يكون غير داخل في قدرة المكلَّف أصلاً كالزوال بالنسبة لوجوب صلاة الظهر، الزوال سبب والسرقة سبب، إلا أن الزوال ليس داخلاً تحت قدرته أصلاً، لا من قريب ولا من بعيد بخلاف السرقة.
وكذلك النقاء من الحيض، هذا حكم وضعي، يترتب عليه الحكم بالطهر والصلاة ونحوها، وليس داخلاً في قدرة المكلَّف من حيث الأصل.
وقد يكون في قدرته ولا يؤمر به كالنصاب بالنسبة للزكاة هذا سبب وهو في قدرته، لكنه هل يؤمر به؟ الجواب: لا.
كذلك الاستطاعة للحج، قد يكون في قدرته بل يستطيعه، لكن لا يؤمر به.
وعليه: فقد يكون ما يتعلق به خطاب الوضع من فعل المكلَّف كالزنا والسرقة، وقد لا يكون فعلاً له أصلاً كالزوال، وقد يكون فعلاً لغيره كإتلاف الصبي وهو سبب لوجوب الضمان في ماله، وأما ما يكون تحت قدرته فهذا قد لا يؤمر بتحصيله كالنصاب وقد ينهى عنه لا من جهة كونه خطاب وضع كالسرقة والزنا والقتل، هذا قلنا خطاب وضع، لكن من جهة أخرى هو خطاب تكليف؛ لأنه يحرم الزنا، ويحرم السرقة، هو تعلق به الحكم التكليفي وهو كذلك متعلق به الحكم الوضعي، فله جهتان، بخلاف النصاب لم يتعلق به الحكم التكليفي وإنما تعلق به الحكم الوضعي.
إذاً: (وَلَا كَسْبٌ) على التفصيل الذي ذكرناه.
(وَلا عِلْمٌ، وَلا قُدْرَةٌ) يعني: لا يشترط له علم كالأمثلة السابقة في النائم يتلف شيئاً حال نومه، (وَلا قُدْرَةٌ) كالأمثلة التي ذكرها المصنف.
قال: {وَيُسْتَثْنَى مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ قَاعِدَتَانِ:
أشار إليهما بقوله: ﴿إِلَّا سَبَبَ عُقُوبَةٍ أَوْ نَقْلُ مِلْكٍ﴾.
هذا استثناء من قوله: (وَلاَ عِلْمٌ، وَلا قُدْرَةٌ) فيستثنى العلم والقدرة.